تؤكّد المصادر التاريخية أنّ الإمام السجاد عليه السلام كان حاضراً في كربلاء إذ شهد واقعة الطفّ بجزئياتها وتفاصيلها وجميع مشاهدها المروّعة. ومن المتّفق عليه، أنّه كان يوم كربلاء مريضاً أو موعوكاً وللحدّ الذي لا يستطيع الوقوف على قدميه، أو لا تحمله قدماه.تأريخ اليعقوبي ج2 ص 243-244
وورد ما يشير إلى أنّه قد حضر بعض القتال: "وكان علي بن الحسين عليلاً، وارتُثَّ يومئذٍ، وقد حضر بعض القتال، فدفع الله عنه وأُخِذ مع النساء" .جهاد الامام السجاد (ع) ص 43
كلّ ذلك وغيره كثير يختزنه الإمام السجّاد عليه السلام ويطوي عليه قلبه وضلوعه، إذ لم يتسنَّ له أن يبذل مهجته، لجرحٍ أصابه، فأخرجه من المعركة، أو مرضٍ شديد أقعده عن المساهمة فيها، فيحمل تلك المشاهد ليستفيد عليه السلام مما شاهده في إبراز وحشية بني أمية وأتباعهم على الملأ.لقد حضر الإمام السجّاد علي بن الحسين، في معركة كربلاء، الى جنب والده الإمام الحسين عليه السلام، وهذا ما تذكره كلّ المصادر بلا استثناء.
والدلالات في هذا الحضور من وجوه:
أولاً: إن هناك نصوصا تاريخية تدل على أن الإمام السجاد عليه السلام قد قاتل يوم عاشوراء وناضل الى أن جرح، وهي:
النص الأول: ما جاء في أقدم نصّ مأثور عن أهل البيت عليهم السلام في ذكر أسماء من حضر مع الحسين عليه السلام، وذلك في كتاب «تسمية من قتل مع الحسين عليه السلام من أهل بيته وإخوته وشيعته» الذي جمعه المحدّث الزيدي الفضيل بن الزبير، الأسدي، الرسّان، الكوفي، من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام فقد ذكر ما نصّه:
«وكان علي بن الحسين عليلا، وارتُثّ، يومئذ، وقد حضر بعض القتال، فدفع الله عنه، وأخِذَ مع النساء».
ومع وضوح النصّ في قتال الإمام السجاد عليه السلام في كربلاء فإن كلمة «ارْتُثّ» تدل على ذلك، لأنها تقال لمن حمل من المعركة، بعد أن قاتل، وأثخن بالجراح، فأُخرج من أرض القتال وبه رمق، كما صرّح به اللغويون.
النصّ الثاني: ما جاء في مناقب ابن شهر آشوب ـ بعد ذكره مشهد علي بن الحسين المعروف بالأكبر وأن الإمام الحسين عليه السلام أتى به الى باب الفسطاط، أورد هذه العبارة «فصارت اُمّة شهربانويه ولهى تنظر اليه ولا تتكلّم».
ومن المعلوم أن اُم علي الشهيد هي ليلى العامرية أو برّة بنت عروة الثقفي ـ كما يراه ابن شهر آشوب ـ والمعروف أنّ «شهربانويه» هي أمّ علي بن الحسين عليه السلام، فلابّد أن يكون قد سقط من عبارة مناقب ابن شهر آشوب ذكر مبارزة علي بن الحسين السجاد عليه السلام، وبهذا يكون شاهدا على ما نحن بصدده.
ومن المحتمل أن تكون العبارة مقدّمة على موضعها في مقتل علي الأصغر الذي ذكره ابن شهر آشوب بعد هذا النصّ المنقول، لأن ابن شهرآشوب ذكر أن أُم علي السجاد هي أُم علي الأصغر شهربانويه رضي الله عنها.
النصّ الثالث: ما جاء حول مرض الإمام عليه السلام، إن المصادر تكاد تتفق على أنّ الإمام السجاد عليه السلام كان يوم كربلاء، مريضا، أو موعوكا.
إلاّ أنّها لم تحدّد نوعية المرض ولا سببه، لكنّ ابن شهر آشوب روى عن أحمد بن حنبل قوله:
كان سبب مرض زين العابدين عليه السلام أنّه كان يلبس درعا، ففضُل عنه، فأخذ الفُضلة بيده ومزّقها.
وهذا يشير الى أن الإمام إنّما عُرّض للمرض وهو على أُهبة الاستعداد للحرب أو على أعتابها، حيث لا يلبس الدرع إلاّ حينذاك، عادة.
ولا ينافي ذلك قول ابن شهر آشوب: «ولم يقتل زين العابدين لأن أباه لم يأذن له في الحرب، كان مريضا».
لأن مفروض الأدلة السابقة أنّ الإمام زين العابدين قد أصيب بالمرض بعد اشتراكه أول مرة في القتال وبعد أن ارتثّ وجرح، فلعلّ عدم الإذن له في أن يقاتل كان في المرة الثانية وهو في حال المرض والجراحة.
ولو فرض كونه مريضا منذ البداية فالأدلة التي سردْناها تدلّ بوضوح على مشاركته في بعض القتال.
فمؤشرات الجهاد في سيرة الإمام السجّاد عليه السلام هي:
أولا: حمله السلاح ـ وهو مريضٌ ـ ودخوله المعركة، الى أن يجرح، يحتوي على مدلول بطوليّ كبير، أكبر من مجرّد حمل السلاح!
فلو كان حمل السلاح واجبا على الأصحاء، فهو في الإسلام موضوع عن المرضى بنصّ القرآن، لكن ليس حراما عليهم ذلك، إذا وجدوا همّة تمكّنهم من أداء دور فيه.
ثانيا: إن وجود علي بن الحسين عليه السلام، مع أبيه الإمام الحسين عليه السلام، في أرض كربلاء، حيث ساحة النضال المستميت، وميدان التضحية والفداء، وحيث كان الإمام الحسين عليه السلام يسمح لكلّ من حوله ـ وحتى أولاده وأهل بيته ـ بالانصراف، ويجعلهم في حلّ، لهو الدليل على قصد الإمام للمشاركة في ما قام به ابوه.
قال الإمام السجّاد عليه السلام: لما جمع الحسين عليه السلام أصحابه عند قرب المساء، دنوت لا سمع ما يقول لهم، وأنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول: أما بعد، فإني لا اعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيرا.. ألا، وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملا.
ففي ذلك الظرف، لا دور ـ إذن ـ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالمعنى الفقهي، لان الأخطار المحدقة كانت ملموسة، ومتيقّنة ومتفاقمة للغاية، تفوق حدّ التحمّل.
وقد أدرك ذلك كلّ من اطّلع على أحداث ذلك العصر، قبل اتّجاه الإمام الحسين عليه السلام الى العراق، ممّن احتفظ لنا التاريخ بتصريحاتهم، فكيف بمن رافق الإمام الحسين عليه السلام في مسيره الطويل من المدينة الى مكّة والى كربلاء، ومن أولاده وأهل بيته خاصة؟ الذين لا تخفى عليهم جزئيّات الحركة وأبعادها وأصداؤها وما قارنها من زعزعة الجيش الكوفّي للإمام، وسمعوا الإمام عليه السلام يصرّح بالنتائج المهولة والأخطار التي تنتظر حركته ومن معه! حتّى وقت تلك الخطبة مساء يوم التاسع، أو ليلة عاشوراء؟
فلقد عرف من بقي مع الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، بأن ما يقوم به الإمام ليس إلاّ فداء وتضحية، لحاجة الإسلام الى إثارة، والثورة إلى فتيل ووقود، واليقظة الى جرس ورنين، والنهضة الى عماد وسناد، والقيام الى قائد ورائد، والحياة الحرّة الكريمة الى روح ودم.
والإمام الحسين عليه السلام قد تهيّأ ليبذل مهجته في سبيل كلّ هذه الأسباب لتكوين كلّ تلك المسبّبات.
ولم تكن مثل هذه الحقيقة ليخفى على عليّ بن الحسين السجّاد عليه السلام الذي كان يومذاك في عمر الرجال، وقد بلغ ثلاثا وعشرين سنة وكان ملازما لأبيه الشهيد منذ البداية، وحتّى النهاية.
فكان حضوره مع أبيه عليه السلام وحده دليلا كافيا على روح النضال مع بطولة فذّة، تمتّع بها أولئك الشجعان الذين لم ينصرفوا عن الحسين عليه السلام.
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025