دعائه (عليه السلام) في المناجاة

رقم الموضوع: ٣
على ما رواه العالم المحقق، مولانا محمد باقر السبزواري في الباب الثاني عشر من كتاب مفاتيح النجاة:
إلهي، أسألك أن تعصمني حتى لا أعصيَك، فإني قد بُهِتُّ وتحيرت من كثرة الذنوب مع العصيان، ومن كثرة كرمك مع الإحسان، وقد كلَتْ لساني كثرةُ ذنوبي، وأذهبت عني ماء وجهي، فبأي وجهٍ ألقاك وقد أخلق الذنوب وجهي؟! فبأي لسان أدعوك وقد أخرس المعاصي لساني؟! وكيف أدعوك وأنا العاصي؟! وكيف لا أدعوك وأنت الكريم؟! وكيف أفرح وأنا العاصي؟! وكيف أحزن وأنت الكريم؟! وكيف أدعوك وأنا أنا؟! وكيف لا أدعوك وأنت أنت؟! وكيف أفرح وقد عصيتك؟! وكيف أحزن وقد عرفتك؟! وأنا أستحيي أن أدعوك وأنا مُصِرٌ على الذنوب، وكيف بعبدٍ لا يدعو سيدَه؟! وأين مفرُه وملجأُه إن يطردُه؟!
إلهي، بمن أستغيث إن لم تقلْني عثرتي؟! ومن يرحمني إن لم ترحمْني؟! ومن يدركُني وأين الفرارُ إذا ضاقت لديك أمنيَّتي؟!
إلهي، بقيت بين خوفٍ ورجاءٍ، خوفُك يميتني ورجاؤك يحييني.
إلهي، الذنوب صفاتنا، والعفو صفاتك.
إلهي، الشيبة نور من أنوارك، فمحال أن تُحرِقَ نورَك بنارِك.
إلهي، الجنةُ دارُ الأبرار، ولكن ممرها على النار، فيا ليتني إذا حُرِمْتُ الجنة لم أدخل النار.
إلهي، وكيف أدعوك وأتمنى الجنة مع أفعالي القبيحة؟! وكيف لا أدعوك ولا أتمنى الجنة مع أفعالك الحسنة الجميلة؟!
إلهي، أنا الذي أدعوك وإن عصيتك، ولا ينسى قلبي ذكرك.
إلهي، أنا الذي أرجوك وإن عصيتك، ولا ينقطع رجائي من رحمتك.
إلهي، أنا الذي إذا طال عمري زادت ذنوبي، وطالت مصيبتي بكثرة ذنوبي، وطال رجائي بكثرة عفوك يا مولاي.
إلهي، ذنوبي عظيمة، ولكن عفوك أعظم من ذنوبي، بعفوك العظيم اغفر لي ذنوبي العظيمة، فإنه لا يغفر الذنوب العظيمة إلّا الرب العظيم.
إلهي، أنا الذي أعاهدك فأنقض عهدي، وأترك [عزمي] حين تعريض شهوتي، فأصبح بطّالاً وأمسي لاهياً، وتكتب ما قدمت يومي وليلتي.
إلهي، ذنوبي لا تضرُّك، وعفوك إياي لا ينقصُك، فاغفر لي ما لا ينقصك ولا يضرك، وأعطني ما لا ينقصك.
إلهي، إن أحرقتني لا يسرُّك، وإن عفوت عني لا يضرُّك، فافعل بي ما لا يضرك، ولا تفعل بي ما لا يسرك.
إلهي، لولا أن العفو من صفاتك، لما عصاك أهلُ معرفتِك.
إلهي، لولا أنك بالعفو تجود، لما عصيتك وإلى الذنب أعود [أدعوا].
إلهي، لولا أن العفو أحب الأشياء إليك، لما عصاك أحب الخلق إليك.
إلهي، رجائي منك غفرانٌ، وذنبي فيك إحسانٌ، أقلني عثرتي ربي، فقد كان الذي كان، فيا من له رفق بمن يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناجيه؟! ويا من كلما نودي أجاب، ويا من بجلاله ينشئ السحاب، أنت الذي قلت: من الذي دعاني فلم ألبّه؟ ومن الذي سألني فلم أعطه؟ ومن الذي أقام ببابي فلم أجبه؟ وأنت الذي قلت: أنا الجواد ومني الجود، وأنا الكريم ومني الكرم، ومن كرمي في العاصين أن أكلأهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم كأنهم لم يُذنبوني.
إلهي، من الذي يفعل الذنوب؟ ومن الذي يغفر الذنوب؟ وانا فعال الذنوب، وأنت غفار للذنوب.
إلهي، بئس ما فعلت من كثرة الذنوب والعصيان، ونعم ما فعلت من الكرم والإحسان.
إلهي، أنت أغرقتني بالجود والكرم والعطايا، وأنا الذي أغرقت نفسي بالذنوب والجهالة والخطايا، فأنت مشهور بالإحسان، وأنا مشهور بالعصيان.
إلهي، ضاق صدري، ولست أدري بأي علاج أداوي ذنبي؟ وكم أتوب وأبيت منها؟ وكم أعود إليها؟ وكم أنوح عليها ليلي ونهاري؟ فحتى متى يكون، وقد أفنيت بها عمري.
إلهي، طال حزني، ودق عظمي، وبلي جسدي، وبقيت الذنوب على ظهري، فإليك أشكو سيدي فقري وفاقتي، وضعفي وقلة حيلتي.
إلهي، ينام كل ذي عين، ويستريح إلى وطنه، وأنا وجل القلب وعيناي تنتظران رحمة ربي، فأدعوك يا رب فاستجب دعائي، واقضِ حاجتي، وأسرع بإجابتي.
إلهي، أنتظر عفوك كما ينتظر المذنبون، ولست أيأس من رحمتك التي يتوقعها المحسنون.
إلهي، أتحرق بالنار عيني وكانت من خوفك باكية؟
إلهي، أتحرق بالنار لساني، وكان للقرآن تالياً؟ أتحرق بالنار قلبي، وكان لك محباً؟
إلهي، أتحرق بالنار جسمي، وكان لك خاشعاً؟
إلهي، أتحرق بالنار أركاني، وكانت لك ركعاً سجداً؟
إلهي، أمرت بالمعروف وأنت أولى به من المأمورين، وأمرت بصلة السؤال وأنت خير المسؤولين.
إلهي، إن عذبتني فعبد خلقته لما أردته فعذبته، وإن أنجيتني فعبد وجدته مسيئاً فأنجيته.
إلهي، لا سبيل إلى الاحتراس من الذنب إلّا بعصمتك، ولا وصول إلى عمل الخير إلّا بمشيتك، فكيف لي بالاحتراس ما لم تدركني فيه عصمتك؟!
إلهي، سترت عليّ في الدنيا ذنوباً ولم تظهرها، فلا تفضحني بها يوم القيامة على رؤوس العالمين.
لهي، جودك بسط أملي، وشكرك قبل عملي، فسُرَّني بلقائك عند اقتراب أجلي.
إلهي، إذا شهد لي الإيمان بتوحيدك، ونطق لساني بتحميدك، ودلني القرآن على فواضل جودك، فكيف ينقطع رجائي بموعدك [بموعودك]؟!
إلهي، أنا الذي قتلت نفسي بسيف العصيان، حتى استوجبت منك القطيعة والحرمان، فالأمان الأمان، هل بقي لي عندك وجه الإحسان؟
إلهي، عصاك آدم فغفرت له، وعصاك خلق من ذريته، فيا من عفى عن الوالد معصيته، اعفِ عن الوِلدِ العصاة لك من ذريته.
إلهي، خلقت جنتك لمن أطاعك، ووعدت فيها ما لا يخطر بالقلوب، ونظرت إلى عملي، فرأيته ضعيفاً يا مولاي، وحاسبت نفسي، فلم أجد أن أقوم بشكر ما أنعمت علي، وخلقت ناراً لمن عصاك، ووعدت فيها أنكالاً وجحيماً وعذاباً، وقد خفت يا مولاي أن أكون مستوجباً لها لكبير جرأتي، وعظيم جرمي، وقديم إساءتي، فلا يتعاظمك ذنب تغفره لي، ولا لمن هو أعظم جرماً مني لصغر خطري في ملكك مع يقيني بك، وتوكلي ورجائي لديك.
إلهي، جعلت لي عدواً يدخل قلبي، ويحل محل الرأي والفكرة مني، وأين الفرار إذا لم يكن منك عون عليه؟
إلهي، إن الشيطان فاجر، خبيث، كثير المكر، شديد الخصومة، قديم العداوة، كيف ينجو من يكون معه في دار وهو المحتال؟ إلّا إني أجد كيده ضعيفاً، فإياك نعبد وإياك نستعين، وإياك نستحفظ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يا كريم يا كريم يا كريم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025

Logo

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025