دعائه (عليه السلام) في المناجاة
ومن ذلك الندبة لمولانا زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، رواها الحسن بن الدربي، عن نجم الدين عبد الله جعفر الدوريستي، عن ضياء الدين أبي الرضا، فضل الله بن علي الحسيني بقاشان، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين المقري النيسابوري، عن الحاكم أبي القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني، عن أبي القاسم علي بن محمد العمري، عن أبي جعفر محمد بن بابويه، عن أبي محمد القاسم بن محمد الاسترابادي، عن عبد الملك بن إبراهيم وعلي بن محمد بن سنان، عن أبي يحيى بن عبد الله بن يزيد المقري، عن سفيان بن عينية، عن الزهري، قال: سمعت مولانا زين العابدين عليه السلام يحاسب نفسه ويناجي ربه، وهو يقول:
يا نفس حتى مَ إلى الحياة سكونك * وإلى الدنيا وعمارتها ركونك؟
أما اعتبرت ممن مضى من أسلافك * ومن وارته الأرض من أُلّافك؟ومن فجعت به من إخوانك * ونقلت إلى دار البلى من أقرانك
شعر
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها * محاسنهم فيها بوال دواثر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم * وساقتهم نحو المنايا المقادر
وخلّوا عن الدنيا وما جمعوا لها * وضمتهم تحت التراب الحفائر
نثر
كم اخترمت أيدي المنون من قرون بعد قرون، وكم غيبت الأرض ببلاها، وغيبت في ثراها، ممن عاشرت من صنوف الناس، وشيعتهم إلى الأرماس.
شعر
وأنت على الدنيا مكب منافر * لخطابها فيها حريص مكاثر
على خطر تمسي وتصبح لاهياً * أتدري بماذا لو عقلت تخاطر؟
وإن امرئ يسعى لدنياه جاهداً * ويذهل عن أخراه لا شك خاسر
فحتى م إلى الدنيا إقبالك * وبشهوتها اشتغالك؟
وقد وخطك القتير * ووافاك النذير
وأنت عما يراد بك ساهٍ * وبلذة يومك لاهٍ
شعر
وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى * عن اللهو واللذات للمرء زاجر
أبعد اقتراب الأربعين تربص؟ * وشيب القذال منذ ذلك ذاعر
كأنك معني بما هو صائر * لنفسك عمداً أو عن الرشد جائر
نثر
انظري إلى الأمم الماضية، والقرون الفانية، والملوك العاتية، كيف انتسفتهم الأيام، فأفناهم الحِمَ ام. فامتحت من الدنيا آثارهم. وبقيت فيها أخبارهم.
شعر
وأضحوا رميماً في التراب وأقفرت * مجالس منهم عطلت ومقاصر
وحلوا بدار لا تزاور بينهم * وأنى لسكّان القبور التزاور
فما إن ترى إلّا جثى قد ثووا بها * مسنمة تسفي عليها الأعاصر
نثر
كم عاينت من ذي عز وسلطان، وجنود وأعوان.
تمكن من دنياه، ونال منها مناه.
فبنى الحصون والدساكر وجمع الأغلاق والذخائر.
شعر
فما صرفت كف المنية إذ أتت * مبادرة تهوي إليه الذخائر
ولا دفعت عنه الحصون التي بنى * وحفَّ بها أنهارها والدساكر
ولا قارعت عنه المنية خيله * ولا طمعت في الذب عنه العساكر
نثر
أتاه من أمر الله ما لا يرد، ونزل به من قضائه ما لا يصد.
فتعالى الملك الجبار المتكبر القهار، قاصم الجبارين ومبير المتكبرين.
شعر
مليك عزيز لا يرد قضاؤه * عليم حكيم نافذ الأمر قاهرعنى كل ذي عز لعزة وجهه * فكل عزيز للمهيمن صاغر
لقد خشعت واستسلمت وتضاءلت * لعزة ذي العرش الملوك الجبابر
نثر
فالبدار البدار والحذار الحذار من الدنيا ومكائدها، وما نصبت لك من مصائدها.
وتجلى لك من زينتها، واستشرف لك من فتنتها.
شعر
وفي دون ما عاينت من فجعاتها * إلى رفضها داعٍ وبالزهد آمر
فجد ولا تغفل فعيشك زائل * وأنت إلى دار المنية صائر
نثر
فهل يحرث عليها لبيب، أو يسر بلذتها أريب؟
وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها.
ام كيف تنام عين من يخشى البيات، أو تسكن نفس من يتوقع الممات؟
شعر
ألا لا ولكنا نغر نفوسنا * وتشغلنا اللذات عما نحاذر
وكيف يلذ العيش من هو موقن * بموقف عدل حين تبلى السرائر
كأنا نرى أن لا نشور وأنّا * سدى مالنا بعد الفناء مصائر
نثر
وما عسى أن ينال طالبُ الدنيا، من لذتها ويتمتع به من بهجتها.
مع فنون مصائبها وأصناف وعجائبها، وكثرة تعبه في طلابها.
وتكادحه في اكتسابها، وتكابده من أسقامها وأوصابها.
شعر
وما أرتني في كل يوم وليلة * يروح علينا صرفها ويباكر
تعاون آفاتها وهمومها * وكم ما عسى يبقى لها المتعاور
فلا هو مغبوط بدنياه آمن * ولا هو عن تطلابها النفس قاصر
نثر
كم غرت من مُخلِدٍ إليها، وصرعت من مُكِّبٍ عليها.
فلم تنعشْه من صرعتِه، ولم تقلْه من عثرتِه.
ولم تداوِه من سقمه، ولم تشفِه من ألمه.
شعر
بلى أوردتُه بعد عز ومنعة * موارد سوء ما لهن مصادر
فلما رأى أن لا نجاةَ وأنه * هو الموت لا ينجيه منه الموازر
تندم لو يغنيه طولُ ندامة * عليه أبكته الذنوب الكبائر
نثر
بكى على ما أسلف من خطاياه، وتحسر على ما خلف من دنياه
حيث لا ينفعه الاستعبار، ولا ينجيه الاعتذار من هول المنية، ونزول البلية.
شعر
أحاطت به آفاته وهمومه * وأبلس لما أعجزته المعاذر
فليس له من كربة الموت فارج * وليس له مما يحاذر ناصر
وقد جشأت خوف المنية نفسه * ترددها دون اللهاة الحناجر
نثر
هنالك خف عنه عُوّاده، وأسلمه أهله وأولاده.
وارتفعت الرنة والعويل، ويأسوا من بُرء العليل.
غضوا بأيديهم عينيه، ومدوا عند خروج نفسه يديه ورجليه.
شعر
فكم موجع يبكي عليه تفجعاً * ومستجدِ صبراً وما هو صابر
ومسترجعٍ داعٍ له الله مخلصٍ * يعدد منه خير ما هو ذاكر
وكم شامتٍ مستبشرٍ بوفاته * وعما قليل كالذي صار صائر
نثر
شق جيوبها نساؤه، ولطم خدودها إماؤه.
وأعول لفقده جيرانه، وتوجع لرزيته إخوانه.
ثم أقبلوا على جهازه، وتشمروا لإبرازه،
شعر
فظل أحب القوم كان لقربه * يحث على تجهيزه ويبادر
وشمَّر من قد أحضروه لغُسله * ووجَّه لما فاظ للقبر حافر
وكُفِّن في ثوبين فاجتمعت له * مشيعةً إخوانه والعشائر
نثر
فلو رأيت الأصغر من أولاده، وقد غلب الحزن على فؤاده.
فغشي من الجزع عليه، وقد خضبت الدموع خديه.
ثم أفاق وهو يندب أباه، ويقول بشجو وا ويلاه.
شعر
لأ بصرت من قبح المنية منظراً * يَهال لمرآة ويرتاع ناظر
أكابرُ أولادٍ يهيج اكتئابُهم * إذا ما تناساه البنون الأصاغر
ورنة نسوان عليه جوازعٍ * مدامعُها فوق الخدود غزائر
نثر
ثم أخرج من سعة قصره، إلى ضيق قبره.
فحثوا بأيديهم التراب وأكثروا التلدد والانتحاب.
ووقفوا ساعة عليه، وقد يئسوا من النظر إليه.
شعر
فولَّوا عليه معولين وكلُّهم * لمثل الذي لاقى أخوه محاذر
كشاء رتاع آمناتٍ بدا لها * بمدية باد الذراعين حاسر
فراعت ولم ترتع قليلاً وأجفلت * فلما انتحى منها الذي هو حاذر
نثر
عادت إلى مرعاها، ونسيت ما في أختها دهاها.
أفبأفعال البهائم اقتدينا، وعلى عادتها جرينا؟
عد إلى ذكر المنقول إلى الثرى، والمدفوع إلى هول ما ترى.
شعر
هوى مصرعاً في لحده وتوزعت * مواريثه أرحامه والأواصر
وأنحوا على أمواله بخصومة * فما حامد منهم عليها وشاكر
فيا عامر الدنيا ويا ساعياً لها * ويا آمناً من أن تدور الدوائر
نثر
كيف أمنت هذه الحالة، وأنت صائر إليها لا محالة؟
أم كيف تتهنأ بحياتك وهي مطيتك إلى مماتك؟
أم كيف تسيغ طعامك وأنت منتظر حمامك؟
شعر
ولم تزود للرحيل وقد دنى * وأنت على حال وشيكاً مسافر
فيا ويح نفسي كم أسوّف توبتي * وعمري فانٍ والردى لي ناظر
وكل الذي أسلفت في الصحف مثبت * يجازي عليه عادل الحكم قاهر
نثر
فكم ترفع بدينك دنياك، وتركب في ذلك هواك.
إني لأراك ضعيف اليقين، يا رافع الدنيا بالدين.
أبهذا أمرك الرحمن؟ أم على هذا دلك القرآن؟
شعر
تخرِّب ما يبقى وتعمُر فانياً * ولا ذاك موفور ولا ذاك عامر
وهل لك إن وافاك حتفُك بغتةً * ولم تكتسب خيراً لدى الله عاذر
أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضي * ودينُك منقوصٌ ومالُك وافرٌ؟
نثر
فبك إلهنا نستجير يا عليمُ يا خبير، من نؤمل لفكاك رقابنا غيرَك؟ ومن نرجو لغفران ذنوبِنا سواك؟ وأنت المتفضلُ المنان، القائمُ الديان، العائدُ علينا بالإحسان، بعد الإساءة مِنّا والعصيان.
يا ذا العزةِ والسلطان، والقوةِ والبرهان، أجرْنا من عذابك الأليم، واجعلنا من سكان دارِ النعيم، يا أرحم الراحمين.