دُعَائِهِ عليه السلام فِي المناجاة لله عزَّ وجلَّ

رقم الموضوع: ٥
على ما وجدته في نسخة أخرى من أدعية الصحيفة الكاملة السجادية بغير رواية المطهري المذكور في سند الصحيفة الكاملة المشهورة [المشهور] ، وقد نقل ذلك من خط الشيخ المفيد (رحمه الله).
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
لَقَد رَجَوتُ مِمَّن ألبَسَني بَينَ الأَحياءِ ثَوبَ عافِيَتِهِ، أن لا يُعرِيَني مِنهُ بَينَ الأَمواتِ وقد عرفتُ جودَ رَأفَتِهِ.
إلهي، إن كُنتُ غَيرَ مُستَأهِلٍ لِما أرجو مِن رَحمَتِكَ، فَأَنتَ أهل أن تَعودَ عَلَى المُذنِبينَ بِفَضلِ سَعَتِكَ.
إلهي، إن كانَ ذَنبي قَد أخافَني، فَإِنَّ حُسنَ ظَنّي بِكَ قَد أجارَني، إلهي، كأَّني بنَفسي قائِمَةٌ بَينَ يَدَيكَ وقَد أظَلَّها حُسنُ تَوَكُّلي عَلَيكَ فَصَنَعتَ بي ما يُشبِهُكَ، وتَغَمَّدتَني بِعَفوِكَ، إلهي، ما أشوقني إلى لِقائِكَ، وأعظم رجائي لجزائك، وأَنتَ الكَريمُ الذي لا يخيب لديك أمَلُ الآمِلينَ، ولا يبطل عندك شوق الشائقين.
إلهي، إِنْ كانَ قَدْ دَنى أَجَلي ولَمْ يُقرّبني مِنْكَ عَمَلِي، فَقَد جَعَلْتُ الْاعترافَ بِالذَّنْبِ وَسَائِلَ عِلَلِي فإنْ عَفَوْتَ فَمَنْ اوْلى مِنْكَ بِذلِكَ وَإِنْ عَذَّبْتَ فَمَنْ أَعْدَلُ مِنْكَ فِي الْحُكْمِ هنالك، إلهي، إن جِرْتُ عَلَى نَفْسِي فِي النَّظَرِ لَهَا وبقي لها نظرك، فيا لها الويل إن لم تسلم به، إلهي، إنك لَم تَزل بَرّاً بي أيّامَ حَياتي، فَلا تَقطَع برك عني بعد مماتي، لقد رجوت ممن تولاني في حياتي بإحسانه أن يشفعه عند موتي بغفرانه، إلهي، كيف أيأس من حسن نظرك بعد مماتي وأنت لم تولني من نفسك إلّا الجميل في حياتي؟
إلهي، إنَّ ذُنوبي قَد أخافَتني، ومَحَبَّتي لَكَ قَد أجارَتني، فَتَوَلَّ مِن أمري ما أنت أهلُهُ، وعُد بِفَضلِكَ على عبدٍ قد أغمَرَهُ جَهلُهُ، إلهي، إن كُنتُ غَيرَ مُستَوجِبٍ لمعروفك، فكن أنت أهلاً للتفضل عليَّ، فالكريم ليس يقع معروفه عند مستوجبيه، يا من لا تخفى عليه خافية، اغفر لي ما قد خفي على الناس من عملي.
إلهي، سَتَرتَ عَلَيَّ ذُنوباً أَنَا إلى سَترِها يوم القيامة أحوَجُ، وقد أحسنت بي في الدنيا إذ لم تظهرها لعصابة من المسلمين، فلا تفضحني بها ذلك اليوم على رؤوس العالمين، إلهي، جودُكَ بَسَطَ أمَلي، وشُكرُكَ قَبِلَ عَمَلي، فَسُرَّني بِلِقائِكَ عِندَ اقتِرابِ أجَلي، إلهي، لَيسَ اعتِذاري إلَيكَ اعتِذارَ مَن يَستَغني عَن قَبولِ عُذرِهِ، فَاقبَل يا إلهي عُذري، يا خَيرَ مَنِ اعتَذَرَ إلَيهِ المُسيؤونَ، إلهي، إنك لَو أرَدتَ إهانَتي لَم تَهدِني، ولَو أرَدتَ فَضيحَتي لم تعافني، فَمَتِّعني بِما لَهُ هَدَيتَني، وأَدِم لي ما بِهِ سَتَرتَني.
إلهي، ما أظنك تردّني في حاجة أفنيت عمري في طلبها منك، إلهي، ما وَصَفتُ مِن بَلاءٍ ابليته، أو إحسانٍ أولَيتَه، فَكُلُّ ذلِكَ بنا قد فَعَلتَهُ، وعَفوُكَ تَمامُ إحسانك إن أنتَ أتمَمتَهُ.
إلهي، لَولا ما قَرَفتُ مِنَ الذُّنوبِ ما خفت عِقابَكَ، ولَولا ما أعَرف مِن كَرَمِكَ، ما رَجَوتُ ثَوابَكَ وأَنتَ أولَى الأَكرَمينَ بِتَحقيقِ أمَلِ الآمِلينَ، وأَرحَمُ مَنِ استُرحِمَ في تَجاوُزِك عَنِ المُذنِبينَ.
إلهي، نَفسي تُمَنّيني بِأَنَّكَ تَغفِرُ لي، فَأَكرِم بِها امنِيَّةً بَشَّرَت بِعَفوِكَ فصَدِّق بِكَرَمِكَ مُبَشِّراتِ تَمَنّيها، وهَب لي بِجودِكَ مُدَمِّراتِ تَجَنّيها. يا أنيسَ كُلِّ غَريبٍ آنِس فِي القَبرِ غُربَتي، ويا ثانِيَ كُلِّ وَحيدٍ، ارحَم فِي القَبرِ وَحدَتي.
إلهي، كيف تقر لي نفسي بأنك تعذبني؟ وقد رجوت أن تكون في لطفك تتولى حسن عملي بقبول إحسانك، وسيء عملي برأفة غفرانك.
إلهي، ألقَتنِي الحَسَناتُ بَينَ جودِكَ وكَرَمِكَ، وأَلقَتنِي السَّيِّئاتُ بَينَ عَفوِكَ ومَغفِرَتِكَ، وقَد رَجَوتُ ألّا يَضيعَ بَينَ ذَينِ وذَينِ مُسيءٌ ومُحسِنٌ.
إلهي، إذا شهد لي الأيمان بمغفرتك، وانطلق لساني بتمجيدك، ودلتي القرآن على فواضل جودك، فكيف لا يتبهج رجائي بحسن موعدك؟
إلهي، تتابع إحسانك إليَّ يدلني على حسن نظرك، فكيف يشقى امرؤ حسن له منك النظر؟
إلهي، إن نظرت إليَّ بالهلكة عيون سخطتك، فما نام عن استنقاذي منها عيون رأفتك.
إلهي، إن عرضني ذنبي لعقابك فقد ادناني رجائي من ثوابك.
إلهي، إن غفرت بفضلك وإن عذبت فبعدلك، فيا من لا يرجى إلّا فضله، ولا يخشى إلّا عدله، امنن علينا بفضلك، ولا تستقص علينا بعدلك.
إلهي، خلقت لي جسماً وجعلت لي فيها آلات، أطيعك بها وأعصيك بها وأرضيك بها، وجعلت لي من نفسي داعية إلى الشهوات، واسكنتني داراً قد ملئت من الآفات، ثم قلت: انزجر عبدي. فبك أعتصم فاعصمني، وبك احترز من الذنوب فاحفظني، استوفقك لما يدنيني منك واعوذ بك مما يصرفني عنك.
إلهي، أدعوك دعاء ملح لا يمل دعاء مولاه، واتضرع ضراعة من أقرَّ على نفسه بالحجة في دعواه.
إلهي، لو عرفت اعتذاراً من الذنب في التنصل أبلغ من الاعتراف به أتيته، ولو عرفتُ مجتلباً لحاجتي منك ألطف من الاستخذاء لك فعلته، فهب لي ذنبي بالاعتراف، ولا تسوّد وجهي في طلبتي عند الانصراف.
إلهي، كأني بنفسي قد اضطجعت في حفرتها، وانصرف عنها المشيعون من جيرتها، وبكى كلُّ غريب عليها لغربتها، وجاد بالدموع عليها المشفقون من عشيرتها، وناداها من شفير القبر ذوو مودتها، ورحمها المعادي لها في الحياة عند صرعتها، ولم يخف على الناظرين فاقتها ولا على من رآها، قد توسد في الثرى عجز حيلتها. فقلت: ملائكتي فريد قد نأى عنه الأقربون، ووحيد قد جفاه الأهلون، نزل بي قريباً وأصبح في اللحد غريباً، وقد كان لي في دار الدنيا داعياً، ولنظري له في هذا البيت الجديد راجياً، فتحسن هنالك ضيافتي، وتكون أرحم بي من اهلي وقرابتي.
يا عالم السر والنجوى، ويا كاشف الضر والبلوى، كيف نظرك لي بين سكان الثرى؟ وكيف صنيعك بي في دار الوحشة والبلى؟ رب قد كنت لطيفاً بي في أيام حياة الدنيا.
يا أفضل المنعمين في آلائه، وأنعم المفضلين في نعمائه، كثرت أياديك فعجزت عن إحصائها، وضقت ذرعاً في شكري لك بجزائها، فلك الحمد على ما أبكيت، والشكر على ما أوليت، يا خير من دعاه داعٍ، وأفضل من رجاه راجٍ، بذمة الإسلام أتوسل إليك، وبحرمة القرآن أعتمد عليك، فاعرف لها ذمتي التي رجوت بها قضاء حاجتي.
إلهي، لَوْ طَبِقَتْ ذُنُوبِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَخَرَقَتِ النُّجُومَ، وَبَلَغَتْ أَسْفَلَ الثَّرَى، مَا رَدَّنِي الْيَأْسُ عَنْ تَوَقُّعِ غُفْرَانِكَ، وَلَا صَرَفَنِي الْقُنُوطُ عَنِ انْتِظَارِ رِضْوَانِكَ، أحب إليَّ لنفسي وأعودها عليَّ عاقبةً في رمسي ما يرشدها بهدايتك إليه، ويدلها بحسن نظرك واستعملها بذلك مني، اذ كنت أرحم بها من نفسي يا رحمن.
إلهي، قد علمت ما استوجب بعملي منك، ولكن رجائي يأبى أن يصرفني عنك، فهب لي ما ظننت، وحقق ظني فيما رجوت، إلهي، دعوتك بالدعاء الذي علمتني، فلا تحرمني جزائك الذي عرفتني، فمن النعمة أن هديتني لدعائك، ومن تمامها أن توجب لي به محمود جزائك.
إلهي، وعزتك وجلالك، لقد أحببتك محبة استقرت حلاوتها في قلبي، وما تنعقد ضمائر محبيك على أنك تبغض محبيك، إلهي، ليس تشبه مسألتي مسائل السائلين؛ لأن السائل إذا مُنٍع امتنع عن السؤال، وأنا لا غنى بي عما سألتك على كل حال.
إلهي، لا تغضب عليَّ، فلستُ أقومُ لغضبك، أللنار خلقتني فأطيلُ بكائي، أم للشقاء خلقتني فليتك لم تخلقني.
إلهي، أللنار ربتني أمي؟ فليتها لم تربني، أم للشقاء ولدتني؟ فليتها لم تلدني، ليت أمي كانت عاقراً بي ولم تعالج حملي، انتشرت عبراتي حين ذكرت خطيئاتي، وما لي لا أبكي ولا أدري ما يكون إليه مصيري، وما الذي يهجم عليه عند البلوغ مسيري، وأرى نفسي تخاتلني، وأيامي تخادعني، وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت، ورمقتني من قريب أعين الفوت، فما عذري وقد حشا مسامعي رافع الصوت: أيها المناجي ربه بأنواع الكلام، والطالبُ مسكناً في دار السلام، والمسوف بالتوبة عاماً بعد عام، ما أراك منصفاً لنفسك من بين الأنام، لو دافعت يومك يا غافلاً بالصيام، واقتصرت على القليل من لعق الطعام، لكنت أحرى بأن تنال شرف المقام، أيتها النفس اقتربي من الصالحين، واقتبسي من سمت هدى الخاشعين، واختلطي ليلك ونهارك مع المتقين، لعلك أن تسكني في رياض الخلد مع المتقين، وتشبهي بنفوس قد اقرح السهر رقة جفونها، وهمعت زوافر الدموع مستدرات عيونها، ودامت في الخلوات ضجة حنينها، فإنها نفوس باعت زينة الدنيا، وآثرت فضل الآخرة على الأولى، أولئك وفدُ الكرامة يوم يخسرُ فيه المبطلون، ويحشر إلى ربهم بالحباء والسرور المتقون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025

Logo

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025