دعائه (عليه السلام) في جوف الليل وفي وقت السحر في الخلوة

رقم الموضوع: ٣٨

حيث(1) لم ير أحداً ناظراً إلى السماء

كما رواه ابن شهرآشوب في مناقبه، عن طاووس اليماني الفقيه من العامة، أنه قال: رأيت علي بن الحسين (عليهما السلام) يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبد، فلما لم ير أحداً رمق السماء بطرفه وقال:
إلهي، غَارَتْ نُجُومُ سَمَاوَاتِكَ، وَهَجَعَتْ عُيُونُ أَنَامِكَ، وَأَبْوَابُكَ مُفَتَّحَاتٌ لِلسَّائِلِينَ، جِئْتُكَ لِتَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَتُرِيَنِي وَجْهَ جَدِّي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَة. ثُمَّ بَكَى وَقَالَ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِي مُخَالَفَتَكَ، وَمَا عَصَيْتُكَ إِذْ عَصَيْتُكَ وَأَنَا بِكَ شَاكٌّ، وَلَا بِنَكَالِكَ جَاهِلٌ وَلَا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ، وَلَكِنْ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، وَأَعَانَنِي عَلَى ذَلِكَ سَتْرُكَ المُرْخَى بِهِ عَلَيَّ، فَالْآنَ مِنْ عَذَابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُنِي؟ وَبِحَبْلِ مِنَ أَعْتَصِمُ إِنْ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي؟ فَوَاسَوْأَتَاهْ غَداً مِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْكَ إِذَا قِيلَ لِلْمُخِفِّينَ: جُوزُوا، وَلِلْمُثْقِلِينَ حُطُّوا أَ مَعَ المُخِفِّينَ أَجُوزُ؟ أَمْ مَعَ المُثْقِلِينَ أَحُطُّ؟ وَيْلي كُلَّمَا طَالَ عُمُرِي كَثُرَتْ خَطَايَايَ وَلَمْ أَتُبْ، أَمَا آنَ لِي أَنْ أَسْتَحِيَ مِنْ رَبِّي؟! ثُمَّ بَكَى وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
أَتُحْرِقُنِي بِالنَّارِ يَا غَايَةَ المُنَى * فَأَيْنَ رَجَائِي ثُمَّ أَيْنَ تَوكُّلي [محبتي]؟

أَتَيْتُ بِأَعْمَالٍ قِبَاحٍ رَدّيةٍ [رزية] (2) * وَمَا فِي الْوَرَى خَلْقٌ جَنَى كَجِنَايَتِي

ثُمَّ بَكَى وَقَال:
سُبْحَانَكَ تُعْصَى كَأَنَّكَ لَا تَرَى، وَتَحْلُمُ كَأَنَّكَ لَمْ تُعْصَ، تَتَوَدَّدُ إِلَى خَلْقِكَ بِحُسْنِ الصَّنِيعِ كَأَنَّ بِكَ الْحَاجَةَ إِلَيْهِمْ وَأَنْتَ يَا سَيِّدِي الْغَنِيُّ عَنْهُم.
ثُمَّ خَرَّ إِلَى الْأَرْضِ سَاجِداً، فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَشُلْتُ رَأْسَه، وَوَضَعْتُهُ عَلَى رُكْبَتِي وَبَكَيْتُ حَتَّى جَرَتْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّهِ فَاسْتَوَى جَالِساً وَقَال: مَنِ الَّذِي أَشْغَلَنِي عَنِ ذِكْرِ رَبِّي؟ فَقُلْتُ: أَنَا طَاوُسٌ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ مَا هَذَا الْجَزَعُ وَالْفَزَعُ؟ وَنَحْنُ يَلْزَمُنَا أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا وَنَحْنُ عَاصُونَ خافون! أَبُوكَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّكَ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ، وَجَدُّكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله؟! قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يَا طَاوُسُ، دَعْ عَنِّي حَدِيثَ أَبِي وَأُمِّي وَجَدِّي، خَلَقَ اللهُ الجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ واحسن وَلَوْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيًّا، وَخَلَقَ النَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ وَلَوْ كَانَ وَلَداً قُرَشِيًّا. أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ، وَاللهِ لَا يَنْفَعُكَ غَداً إِلَّا تَقْدِمَةٌ تُقَدِّمُهَا مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ.


١ - سقطت من الأصل.

٢ - رزى عليه أي عابه وعاتبه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025

Logo

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025