دعائه (عليه السلام) إذا مجّد ربه واستقصى في الثناء عليه
رقم الموضوع: ٣
على ما وجدناه في عدة نسخ من الصحيفة السجادية الغير المشهورة، ومن ذلك ما رأيته في نسخة الصحيفة الكاملة السجادية برواية الشيخ أبي الحسين محمد بن بحر الرهني الكرماني النرماشيري المعاصر للصدوق، وفي نسخة أخرى برواية الشيخ الفقيه أبي الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان المعاصر للمفيد، وقد رأيته في مجموعة عتيقة أيضاً في بلدة أردبيل، إلّا أن بينهما اختلافات قد جمعنا بينها وتعرّضنا لها بقدر الإمكان، وهو:
اللَّهُمَّ إِنَّ أَحَداً لَا يَبْلُغُ مِنْ شُكْرِكَ غَايَةً وَإنْ أبْعَدَ إِلَّا حَصَلَ عَلَيْه مِنْ إِحْسَانِكَ مَا يُلْزِمُه شُكْراً، ولَا يَبْلُغُ مَبْلَغاً مِنْ طَاعَتِكَ وإِنِ اجْتَهَدَ إِلَّا كَانَ مُقَصِّراً دُونَ اسْتِحْقَاقِكَ بِفَضْلِكَ، فَأَشْكَرُ عِبَادِكَ عَاجِزٌ عَنْ شُكْرِكَ، وأَعْبَدُهُمْ لَكَ مُقَصِّرٌ عَنْ طَاعَتِكَ، لَا يَجِبُ لأَحَدٍ منهم أَنْ تَغْفِرَ لَه بِاسْتِحْقَاقِه، ولَا يحق أَنْ تَرْضَى عَنْه بِاسْتِيجَابِه، فَمَنْ غَفَرْتَ لَه فَبِطَوْلِكَ، ومَنْ رَضِيتَ عَنْه فَبِفَضْلِكَ، تَشْكُرُ يَسِيرَ مَا تُشَكَرُ بهِ، وتُثِيبُ عَلَى قَلِيلِ مَا تُطَاعُ فِيه، حَتَّى كَأَنَّ شُكْرَ عِبَادِكَ الَّذِي أَوْجَبْتَ عَلَيْه ثَوَابَهُمْ وأَعْظَمْتَ فيه جَزَاءَهُمْ أَمْرٌ مَلَكُوا اسْتِطَاعَةَ الِامْتِنَاعِ مِنْه دُونَكَ فَكَافَيْتَهُمْ، أو لَمْ يَكُنْ سَبَبُه بِيَدِكَ فَجَازَيْتَهُمْ! بَلْ مَلَكْتَ - يَا إلهي - أَمْرَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكُوا عِبَادَتَكَ، وأَعْدَدْتَ ثَوَابَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُفِيضُوا فِي طَاعَتِكَ؛ وذَلِكَ أَنَّ سُنَّتَكَ الإِفْضَالُ، وعَادَتَكَ الإِحْسَانُ، وسَبِيلَكَ الْعَفْوُ، كُلُّ الْبَرِيَّةِ مُعْتَرِفَةٌ بِأَنَّكَ غَيْرُ ظَالِمٍ لِمَنْ عَاقَبْتَ، وشَاهِدَةٌ بِأَنَّكَ مُتَفَضَّلٌ عَلَى مَنْ عَافَيْتَ، وكُلٌّ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِه بِالتَّقْصِيرِ عَمَّا اسْتَوْجَبْتَ، فَلَوْلَا أَنَّ الشَّيْطَانَ يَخْتَدِعُهُمْ عَنْ طَاعَتِكَ مَا عَصَاكَ أحدٌ، ولَوْلَا أَنَّه يصَوَّرُ لَهُمُ الْبَاطِلَ فِي مِثَالِ الْحَقِّ مَا ضَلَّ عَنْ طَرِيقِكَ ضَالٌّ.
فَسُبْحَانَكَ! مَا أَبْيَنَ كَرَمَكَ فِي مُعَامَلَةِ مَنْ أَطَاعَكَ أو عَصَاكَ، تَشْكُرُ الْمُطِيعَ على مَا أنت تَوَلَّيْتَه لَه، وتُمْلِي لِلْعَاصِي فِيمَا تَمْلِكُ مُعَاجَلَتَه فِيه، أَعْطَيْتَ كُلاًّ مِنْهُمَا مَا لَا يَجِبْ لَه، وتَفَضَّلْتَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا يَقْصُرُ عَمَلُه عَنْه، ولَوْ كَافَأْتَ الْمُطِيعَ عَلَى مَا أنت تَوَلَّيْتَه بالسواءِ لأَوْشَكَ أَنْ يَفْقِدَ ثَوَابَكَ، وأَنْ تَزُولَ عَنْه نِعْمَتُكَ، ولَكِنَّكَ بِكَرَمِكَ جَازَيْتَه عَلَى الْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ الْفَانِيَةِ بِالْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الْخَالِدَةِ، وعَلَى الْغَايَةِ الْقَرِيبَةِ الزَّائِلَةِ بِالْغَايَةِ الْمَدِيدَةِ الْبَاقِيَةِ.
ثُمَّ لَمْ تَسُمْه الْقِصَاصَ فِيمَا أَكَلَ مِنْ رِزْقِكَ الَّذِي يَقْوَى بِه عَلَى طَاعَتِكَ، ولَمْ تَحْمِلْه عَلَى الْمُنَاقَشَة فِي الآلَاتِ الَّتِي تَسَبَّبَ بِاسْتِعْمَالِهَا إِلَى مَغْفِرَتِكَ، ولَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِه لَذَهَبَ جَمِيعِ مَا كَدَحَ لَه، وصارتْ جُمْلَةِ مَا سَعَى فِيه جَزَاءً لِلصُّغْرَى مِنْ مِنَنِكَ، ولَبَقِيَ رَهناً بَيْنَ يَدَيْكَ بِسَائِرِ نِعَمِكَ، فَمَتَى كَانَ يَسْتَحِقُّ شَيْئاً مِنْ ثَوَابِكَ لَا! مَتَى!
فهَذَه - يَا إلهي- حَالُة مَنْ أَطَاعَكَ، وسَبِيلُ مَنْ تَعَبَّدَ لَكَ، فَأَمَّا الْعَاصِي أَمْرَكَ والْمُوَاقِعُ نَهْيَكَ، فَلَمْ تُعَاجِلْه بِنَقِمَتِكَ لِكَيْ يَسْتَبْدِلَ بِحَالِه فِي مَعْصِيَتِكَ حَالَ الإِنَابَةِ إِلَى طَاعَتِكَ، ولَقَدْ كَانَ يَسْتَحِقُّ يَا إلهي في أَوَّلِ مَا هَمَّ بِعِصْيَانِكَ كُلَّ مَا أَعْدَدْتَ لِجَمِيعِ خَلْقِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ.
فَجَمِيعُ مَا أَخَّرْتَ عَنْه مِنَ وقت الْعَذَابِ وأَبْطَأْتَ بِه عَلَيْه مِنْ سَطَوَاتِ النَّقِمَةِ فتَرْكٌ مِنْ حَقِّكَ، ورِضًى بِدُونِ وَاجِبِكَ، فَمَنْ أَكْرَمُ - يَا إلهي - مِنْكَ، ومَنْ أَشْقَى مِمَّنْ هَلَكَ عَلَيْكَ فَتَبَارَكْتَ أَنْ تُوصَفَ إِلَّا بِالإِحْسَانِ، وكَرُمْتَ أَنْ يُخَافَ مِنْكَ إِلَّا الْعَدْلُ، لَا يُخْشَى جَوْرُكَ عَلَى مَنْ عَصَاكَ، ولَا يُخَافُ إِغْفَالُكَ ثَوَابَ مَنْ أَرْضَاكَ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وهَبْ لِي منك أَمَلِي، وزِدْنِي مِنْ هُدَاكَ إلى مَا أَصِلُ بِه إِلَى تَّوْفِيقِ عَمَلِي، إِنَّكَ مَنَّانٌ كَرِيمٌ.
يَا مَنْ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُ عَظَمَتِه احْجُبْنَا عَنِ الإِلْحَادِ فِي عَظَمَتِكَ، ويَا مَنْ لَا تَنْتَهِي مُدَّةُ مُلْكِه أَعْتِقْ رقابنا مِنْ نَقِمَتِكَ ويَا مَنْ لَا تَفْنَى خَزَائِنُ رَحْمَتِه اجْعَلْ لَنا نَصِيباً من رَحْمَتِكَ، وَيَا مَنْ تَنْقَطِعُ دُونَ رُؤْيَتِهِ الأبْصَارُ، أَدْنِنَا من قُرْبِكَ
ويَا مَنْ تَصْغُرُ عِنْدَ خَطَرِه الأَخْطَارُ كَرِّمْنَا عَلَيْكَ، ويَا مَنْ تَظْهَرُ عِنْدَه بَوَاطِنُ الأَخْبَارِ لَا تَفْضَحْنَا لَدَيْكَ وأَغْنِنَا عَنْ هِبَةِ الْوَاهبِينَ بِهِبَتِكَ، واكْفِنَا وَحْشَةَ الْقَاطِعِينَ بِصِلَتِكَ لَا نَرْغَبَ إِلَى أَحَدٍ مَعَ فَضْلِكَ، ولَا نَسْتَوْحِشَ مِنْ أَحَدٍ مَعَ بَذْلِكَ، اللَّهُمَّ كِدْ لَنَا ولَا تَكِدْ عَلَيْنَا، وامْكُرْ لَنَا ولَا تَمْكُرْ بِنَا، وأَدِلْ لَنَا ولَا تُدِلْ مِنَّا.
اللَّهُمَّ قِنَا عذابك واهْدِنَا بك، ولَا تُبَاعِدْنَا عَنْكَ فإِنَّك مَنْ تَقِه يَسْلَمْ ومَنْ تَهْدِه يَعْلَمْ، ومَنْ تُقَرِّبْه إِلَيْكَ يَغْنَمْ.
اللَّهُمَّ إِنَّمَا يكفي الكُفاةُ بِفَضْلِ قُوتِكَ فاكْفِنَا وإِنَّمَا يُعْطِي الْمُعْطُونَ مِنْ فَضْلِ جِدَتِكَ فأَعْطِنَا، وإِنَّمَا يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بِنُورِ حِكمتِكَ فاهْدِنَا، اللَّهُمَّ إِنَّكَ مَنْ وَالَيْتَ لَمْ يَضْرُرْه خِذْلَانُ الْخَاذِلِينَ، ومَنْ أَعْطَيْتَ لَمْ يَنْقُصْه مَنْعُ الْمَانِعِينَ، ومَنْ هَدَيْتَ لَمْ يُغْوِه إِضْلَالُ الْمُضِلِّينَ فاعفِنا بِعِزَّتِكَ مِنْ شرِّ عِبَادِكَ وامْنَعْنَا عَنْ غَيْرِكَ بإرفادك واسلك بنا سبل الحق بإرشادك واكْفِنَا حَدَّ نَوَائِبِ الزَّمَانِ وسُوءِ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، ومَرَارَةَ صَوْلَةِ السُّلْطَانِ.
واجْعَلْ سَلَامَةَ قُلُوبِنَا فِي ذِكْرِ عَظَمَتِكَ، وفَرَاغَ أَبْدَانِنَا فِي شُكْرِ نِعْمَتِكَ، وانْطِلَاقَ أَلْسِنَتِنَا فِي وَصْفِ مِنَّتِكَ
واجْعَلْنَا مِنْ دُعَاتِكَ الدَّاعِينَ إِلَيْكَ، ومِنْ دُعَاتِكَ الدَّالِّينَ عَلَيْكَ، ومِنْ خَاصَّتِكَ الحاضِرينَ لَدَيْكَ.