دعائه في المناجاة

رقم الموضوع: ٢٤
وهي المناجاة الشريفة الإنجيلية الطويلة
وهي أكبر مناجاة لطيفة قد ظهرت من فيض الله على لسانه المبارك (صلوات الله عليه).
وأقول: قد رأيت في كتاب عتيق من مؤلفات قدماء اصحابنا رضوان الله عليهم اجمعين ان هذا الدعاء المعروف بالمناجاة الانجيلية مروي عن مولانا سيد الساجدين وزين العابدين (صلوات الله عليه) وعلى آبائه الطاهرين وأولاده المعصومين وانما سميت هذه المناجاة بالإنجيلية لان فقراتها تشبه اكثر فقرات مواعظ الانجيل النازل على عيسى (عليه السلام) لا الانجيل المتداول بين النصارى الآن.
ثم لا يخفى ان عبارات هذه المناجاة وسياقها اقوى دليل على صحة صدورها عن ذلك الامام المعصوم وهذه الحجة تكفي في كونها من ادعيته (عليه السلام) وان لم يصح سندها واسنادها مع انه قد رواه جماعة من المتقدمين والمتأخرين في كتبهم كما نقله فيه صاحب انيس العابدين وغيره في غيره أيضاً ومنهم المولى الجليل مولانا محسن القاشاني المعاصر (قدس سره) في كتاب ذريعة الضراعة وقد قال ابن شهر اشوب في معالم العلماء في ترجمة يحيى بن علي بن محمد الحسيني البرقي انه يروي عن الصادق (عليه السلام) الدعاء المعروف بإنجيل أهل البيت (عليهم السلام) انتهى.
والظاهر ان مراده (رضي الله عنه) به هو هذا الدعاء الشريف وان حمله السيد الداماد والمولى محمد تقي المجلسي واضرابهما على الصحيفة الكاملة المشهورة، ولكن عندي في ذلك تامل ولا سيما انه قد وقع فيه بلفظ الدعاء مفردا فتامل.
وقد رأيت أيضاً في اردبيل في طي بعض الأدعية الشريفة المذكورة في مجموعة عتيقة جداً هذه المناجاة منسوبة اليه (عليه السلام) الا ان الموجودة فيها اخصر واقصر من هذه بكثير فلا تغفل وهي هذه:
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ بِذِكرِكَ أستَفتِحُ مَقالي، وبِشُكرِكَ أستَنجِحُ سُؤالي، وعَلَيكَ تَوَكُّلي في كُلِّ أحوالي، وإيّاكَ أمَلي فَلا تُخَيِّب آمالي.
اللَّهُمَّ بِذِكرِكَ أستَعيذُ وأَعتَصِمُ، وبِرُكنِكَ ألوذُ وأَتَحَزَّمُ، وبِقُوَّتِكَ أستَجيرُ وأَستَنصِرُ، وبِنورِكَ أهتَدي وأَستَبصِرُ، وإيّاكَ أستَعينُ وأَعبُدُ، وإلَيكَ أقصِدُ وأَعمِدُ، وبِكَ أُخاصِمُ وأُحاوِلُ، ومِنكَ أطلُبُ ما أُحاوِلُ، فَأَعِنّي يا خَيرَ المُعينينَ، وقِنِي المَكارِهَ كُلَّها يا رَجاءَ المُؤمِنينَ.
الحَمدُ للَّهِ‏ المَذكورِ بِكُلِّ لِسانٍ، المَشكورِ عَلى‏ كُلِّ إحسانٍ، المَعبودِ في كُلِّ مَكانٍ، مُدَبِّرِ الأمورِ، ومُقَدِّرِ الدُّهورِ، وَالعالِمِ بِما تُجِنُّهُ البُحورُ، وتُكِنُّهُ الصُّدورُ، ويُخفيهِ الظَّلامُ، ويُبديهِ النّورُ، الَّذي حارَ في عِلمِهِ العُلَماءُ، وسَلَّمَ لِحُكمِهِ الحُكَماءُ، وتَواضَعَ لِعِزَّتِهِ العُظَماءُ، وفاقَ بِسَعَةِ فَضلِهِ الكُرَماءُ، وسادَ بِعَظيمِ حِلمِهِ الحُلَماءُ.
وَالحَمدُ للَّهِ‏ الَّذي لا يُخفَرُ مَنِ انتَصَرَ بِذِمَّتِهِ، ولا يُقهَرُ مَنِ استَتَرَ بِعَظَمَتِهِ، ولا يُكدى مَن أذاعَ شُكرَ نِعمَتِهِ، ولا يَهلِكُ مَن تَغَمَّدَهُ بِرَحمَتِهِ، ذِي المِنَنِ الَّتي لا يُحصيهَا العادّونَ، وَالنِّعَمِ الَّتي لا يُجازيهَا المُجتَهِدونَ، وَالصَّنائِعِ الَّتي لا يَستَطيعُ دَفعَهَا الجاحِدونُ، وَالدَّلائِلِ الَّتي يَستَبصِرُ بِنورِهَا المَوجودونَ، أحمَدُهُ جاهِراً بِحَمدِهِ، شاكِراً لِرِفدِهِ، حَمدَ مُوَفَّقٍ لِرُشدِهِ، واثِقٍ بِعَدلِهِ، لَهُ الشُّكرُ الدّائِمُ، وَالأَمرُ اللّازِمُ.
اللَّهُمَّ إيّاكَ أسأَلُ، وبِكَ أتَوَسَّلُ، وعَلَيكَ أتَوَكَّلُ، وبِفَضلِكَ أغتَنِمُ، وبِحَبلِكُ أعتَصِمُ، وفي رَحمَتِكَ أرغَبُ، ومِن نَقِمَتِكَ أرهَبُ، وبِقُوَّتِكَ أستَعينُ، وبِعَظَمَتِكَ أستَكينُ.
اللَّهُمَّ أنتَ الوَلِيُّ المُرشِدُ، وَالغَنِيُّ المُرفِدُ، وَالعَونُ المُؤَيِّدُ، الرّاحِمُ الغَفورُ، وَالعاصِمُ المُجيرُ، وَالقاصِمُ المُبيرُ، وَالخالِقُ الحَليمُ، وَالرّازِقُ الكَريمُ، وَالسّابِقُ القَديمُ.
عَلِمتَ فَخَبَرتَ، وحَلُمتَ فَسَتَرتَ، ورَحِمتَ فَغَفَرتَ، وعَظُمتَ فَقَهَرتَ، ومَلَكتَ فَاستَأثَرتَ، وأَدرَكتَ فَاقتَدَرتَ، وحَكَمتَ فَعَدَلتَ، وأَنعَمتَ فَأَفضَلتَ، وأَبدَعتَ فَأَحسَنتَ، وصَنَعتَ فَأَتقَنتَ، وجُدتَ فَأَغنَيتَ، وأَيَّدتَ فَكَفَيتَ، وخَلَقتَ فَسَوَّيتَ، ووَفَّقتَ فَهَدَيتَ.
وبَطَنتَ الغُيوبَ، فَخَبَرتَ مَكنونَ أسرارِها، وحُلتَ بَينَ القُلوبِ وبَينَ تَصَرُّفِها عَلَى اختِيارِها، فَأَيقَنَتِ البَرايا أنَّكَ مُدَبِّرُها وخالقها واذعنت انك مقدرها ورازقها لا إلهَ إلّا أنتَ، تَعالَيتَ عَمّا يَقولُ الظّالِمونَ عُلُوّاً كَبيراً.
اللَّهُمَّ إنّي أُشهِدُكَ وأَنتَ أقرَبُ الشّاهِدينَ، وأُشهِدُ مَن حَضَرَني مِن مَلائِكَتِكَ المُقَرَّبينَ، وعِبادِكَ الصّالِحينَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنّاسِ أجمَعينَ، أنّي أشهَدُ بِسَريرَةٍ زَكِيَّةٍ، وبَصيرَةٍ مِنَ الشَّكِّ بَريةٍ، شَهادَةً أعتَقِدُها بِإِخلاصٍ وإيقانٍ، وأعِدُّها طَمَعاً فِي الخَلاصِ وَالأَمانِ، أُسِرُّها تَصديقاً بِرُبوبِيَّتِكَ، وأُظهِرُها تَحقيقاً لِوَحدانِيَّتِكَ، ولا أصُدُّ عَن سَبيلِها، ولا ألحِدُ في تَأويلِها، إنَّكَ أنتَ الله رَبّي، لا أشرِكُ بِكَ أحَداً، ولا أجِدُ مِن دونِكَ مُلتَحَداً.
لا إلهَ إلَّا الله وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، الواحِدُ الَّذي لا يَدخُلُ في عَدَدٍ، وَالفَردُ الَّذي لا يُقاسُ بِأَحَدٍ، عَلا عَنِ المُشاكَلَةِ وَالمُناسَبَةِ، وخَلا مِنَ الأَولادِ وَالصّاحِبَةِ، سُبحانَهُ مِن خالِقٍ ما أصنَعَهُ، ورازِقٍ ما أوسَعَهُ، وقَريبٍ ما أرفَعَهُ، ومُجيبٍ ما أسمَعَهُ، وعَزيزٍ ما أمنَعَهُ، لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وأَشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً نَبِيُّهُ المُرسَلُ، ووَلِيُّهُ المُفَضَّلُ، وشَهيدُهُ المُستَعدَلُ، المُؤَيَّدُ بِالنّورِ المُضيءِ، وَالمُسَدَّدُ بِالأَمرِ المَرضِيِّ، بَعَثَهُ بِالأَوامِرِ الشّافِيَةِ، وَالزَّواجِرِ النّاهِيَةِ، وَالدَّلائِلِ الهادِيَةِ، الَّتي أوضَحَ بُرهانَها، وشَرَحَ تبيانها في كِتابٍ مُهَيمِنٍ عَلى كُلِّ كِتابٍ، جامِعٍ لِكُلِّ رُشدٍ وصَوابٍ، فيهِ نَبَأُ القُرونِ، وتَفصيلُ السنون وفَرضُ الصَّلاةِ وَالصِّيامِ، وَالفَرقُ بَينَ الحَلالِ وَالحَرامِ، فَدَعا إلى خَيرِ سَبيلٍ، وشَفى مِن هُيامِ الغَليلِ، حَتّى عَلَا الحَقُّ وظَهَرَ، وزَهَقَ الباطِلُ وَانحَسَرَ، صَلَّى الله عَلَيهِ وآلِهِ صَلاةً دائِمَةً مُمَهَّدَةً، لا تَنقَضي لَها مُدَّةٌ، ولا يَنحَصِرُ لَها عِدَّةٌ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ ما جَرَتِ النُّجومُ فِي الأَبراجِ، وتَلاطَمَتِ البُحورُ بِالأَمواجِ، ومَا أدلَهَمَّ لَيلٌ داجٍ، وأَشرَقَ نَهارٌ ذُو ابتِلاجٍ، وصَلِّ عَلَيهِ وآلِهِ ما تَعاقَبَتِ الأَيّامُ، وتَناوَبَتِ الأَعوامُ، وما خَطَرَتِ الأَوهامُ، وتَدَبَّرَتِ الأَفهامُ، وما بَقِيَ الأَنامُ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ الأَنبِياءِ وآلِهِ البَرَرَةِ الأَتقِياءِ، وعَلى عِترَتِهِ النُّجَباءِ، الخِيَرةِ الأصفياءِ صَلاةً مَقرونةً بِالتَّمامِ وَالنَّماءِ، وباقِيَةً بِلا فَناءٍ وَلا انقِضاءٍ.
اللَّهُمَّ رَبَّ العالَمينَ، وأَحكَمَ الحاكِمينَ، وأَرحَمَ الرّاحِمينَ، أسأَلُكَ مِنَ الشَّهادَةِ أقسَطَها، ومِنَ العِبادَةِ أنشَطَها، ومِنَ الزِّيادَةِ أبسَطَها، ومِنَ الكَرامَةِ أغبَطَها، ومِنَ السَّلامَةِ أحوَطَها، ومِنَ الأَعمالِ أوسَطَها [اقسطها] ومِنَ الآمالِ أوفَقَها، ومِنَ الأَقوالِ أصدَقَها، ومِنَ المَحالِّ أشرَفَها، ومِنَ المَنازِلِ ألطَفَها، ومِنَ الحِياطَةِ أكنَفَها، ومِنَ الرِّعايَةِ أعطَفَها [اغبطها]، ومِنَ العِصمَةِ أكفاها، ومِنَ الرّاحَةِ أشفاها، ومِنَ النِّعمَةِ أوفاها، ومِنَ الهِمَمِ أعلاها، ومِنَ القِسَمِ أسناها، ومِنَ الأَرزاقِ أغزَرَها، ومِنَ الأَخلاقِ أطهَرَها، ومِنَ المَذاهِبِ أقصَدَها، ومِنَ العَواقِبِ أحمَدَها، ومِنَ الأمورِ أرشَدَها، ومِنَ التَّدابيرِ أوكَدَها، ومِنَ الجُدودِ أسعَدَها، ومِنَ الشُّؤونِ أعوَدَها، ومِنَ الفَوائِدِ أرجَحَها، ومِنَ العَوائِلِ أنجَحَها، ومِنَ الزِّياداتِ أتَمَّها، ومِنَ البَرَكاتِ أعَمَّها، ومِنَ الصّالِحاتِ أعظَمَها.
اللَّهُمَّ إنّي أسأَلُكَ قَلباً خاشِعاً زَكِيّاً، ولِساناً صادِقاً عَلِيّاً، ورِزقاً واسِعاً هَنيئاً، وعَيشاً رَغَداً مَرِيّئاً، وأَعوذُ بِكَ مِن ضَنكِ المَعاشِ، ومِن شَرِّ كُلِّ ساعٍ وواشٍ، وغَلَبَةِ الأَضدادِ وَالأَوباشِ، وكُلِّ قَبيحٍ باطِنٍ أو فاشٍ، وأَعوذُ بِكَ مِن دُعاءٍ مَحجوبٍ، ورَجاءٍ مَكذوبٍ، وَحياءٍ مَسلوبٍ، وَاحتِجاجٍ مَغلوبٍ، ورَأيٍ غَيرِ مُصيبٍ.
اللَّهُمَّ أنتَ المُستَعانُ وَالمُستَعاذُ، وعَلَيكَ المُعَوَّلُ وبِكَ المَلاذُ [المعاذ]، فَأَنِلني لَطائِفَ مِنَنِكَ فَإِنَّكَ لَطيفٌ، فَلا تَبتَلِيَنّي [تبلني] بِمِحَنِكَ فَإِنّي ضَعيفٌ، وتَوَلَّني بِعَطفِ تَحَنُّنِكَ، يا رَؤُوفُ يا مَن آوَى المُنقَطِعينَ إلَيهِ، وأَغنَى المُتَوَكِّلينَ عَلَيهِ، جُد بِغِناكَ عَلى فاقَتي، ولا تَحملني [تُحَمِّلني] فَوقَ طاقَتي.
اللَّهُمَّ اجعَلني مِنَ الَّذينَ جَدّوا في قَصدِكَ فَلَم يَنكِلوا، وسَلَكُوا الطّريقَ إلَيكَ فَلَم يَعدِلوا، وَاعتَمَدوا عَلَيكَ فِي الوُصولِ حَتّى وَصَلوا، فَرَوَّيتَ قُلوبَهُم مِن مَحَبَّتِكَ، وآنَستَ نُفوسَهُم بِمَعرِفَتِكَ، فَلَم يَقطَعهُم عَنكَ قاطِعٌ، ولا مَنَعَهُم عَن بُلوغِ ما أمَّلوهُ لَدَيكَ مانِعٌ، فَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ به تُوعَدُونَ.
اللَّهُمَّ لَكَ قَلبي ولِساني، وبِكَ نَجاتي وأَماني، وأَنتَ العالِمُ بِسِرّي وإعلاني، فَأَمِت قَلبي عَنِ البَغضاءِ، وأَصمِت لِساني عَنِ الفَحشاءِ، وأَخلِص سَريرَتي عَن عَلائِقِ الأَهواءِ، وَاكفِني بِأَمانِكَ مَن عَوائِقِ الضَّرّاءِ، وَاجعَل سِرّي مَعقوداً عَلى مُراقَبَتِكَ، وإعلاني مُوافِقاً لِطاعَتِكَ، وهَب لي جِسماً رَوحانِيّاً، وقَلباً سَماوِيّاً، وهِمَّةً مُتَّصِلَةً بِكَ، ويَقيناً صادِقاً في حُبِّكَ، وأَلهِمني مِن مَحامِدِكَ أمدَحَها، وهَب لي مِن فَوائِدِكَ أسمَحَها، إنَّكَ وَلِيُّ الحَمدِ، وَالمُستَولي عَلَى المَجدِ.
يا مَن لا يَنقُصُ مَلكوتَهُ عِصيانُ المُتَمَرِّدينَ، ولا يَزيدُ جَبَروتَهُ إيمانُ المُوَحِّدينَ، إلَيكَ أستَشفِعُ بِقَديمِ كَرَمِكَ، أن لا تَسلُبَني ما مَنَحتَني مِن جَسيمِ نِعَمِكَ، وَاصرِفني بِحُسنِ نَظَرِكَ لي عَن وَرطَةِ المَهالِكَ، وعَرِّفني بِجَميلِ اختِيارِكَ لي مُنجِياتِ المَسالِكِ.
يا مَن قَربت رَحمَتُهُ مِنَ المُحسِنينَ، وأَوجَبَ عَفوَهُ لِلأَوّابينَ، بَلِّغنا بِرَحمَتِكَ غَنائِمَ البِرِّ وَالإِحسانِ، وجَلِّلنا بِنِعمَتِكَ مَلابِسَ العَفوِ وَالغُفرانِ، وأَصحِب رَغَباتِنا بِحَياءٍ يَقطَعُها عَنِ الشَّهَواتِ، وَاحشُ قُلوبَنا نوراً يَمنَعُها مِنَ الشُّبُهاتِ، وأَودِع نُفوسَنا خَوفَ المُشفِقينَ مِن سوءِ الحِسابِ، ورَجاءَ الواثِقينَ بِتَوفيرِ الثَّوابِ، فَلا نَغتَرَّ بِالإِمهالِ [بالاهمال]، ولا نُقَصِّرَ في صالِحِ الأَعمالِ، ولا نَفتُرَ مِنَ التَّسبيحِ بِحَمدِكَ فِي الغُدُوِّ وَالآصالِ.
يا مَن آنَسَ العارِفينَ بطول [بطيب] مُناجاتِهِ، وأَلبَسَ الخاطِئينَ ثَوبَ مُوالاتِهِ، مَتى فَرِحَ مَن قَصَدَت سِواكَ هِمَّتُهُ؟ ومَتَى استَراحَ مَن أرادَت غَيرَكَ عَزيمَتُهُ؟ ومَن ذَا الَّذي قَصَدَكَ بِصِدقِ الإِرادَةِ فَلَم تُشَفِّعهُ في مُرادِهِ؟ أم مَن ذَا الَّذِي اعتَمَدَ عَلَيكَ في أمرِهِ فَلَم تَجُد بِإِسعادِهِ؟ أم مَن ذَا الَّذِي استَرشَدَكَ فَلَم تَمنُن بِإِرشادِهِ؟
اللَّهُمَّ عَبدُكَ الضَّعيفُ الفَقيرُ، ومِسكينُكَ اللَّهيفُ المُستَجيرُ، عالِمٌ أنَّ في قَبضَتِكَ أزِمَّةَ التَّدبيرِ، ومَصادِرَ المَقاديرِ عَن إرادَتِكَ، وأَنَّكَ أقَمتَ بِقُدسِكَ حَياةَ كُلِّ شَيءٍ، وجَعَلتَهُ نَجاةً لِكُلِّ حَيٍّ، فَارزُقهُ مِن حَلاوَةِ مُصافاتِكَ ما يَصيرُ بِهِ إلى مَرضاتِكَ، وهَب لَهُ [لي] مِن خُشوعِ التذلل وخُضوعِ التَّبَتُّلِ [التقلل] في رَهبَةِ الإِخباتِ، وسَلامَةِ المَحيا وَالمَماتِ، ما تُحضِرُهُ به كِفايَةُ المُتَوَكِّلينَ، وتُميزُهُ بِهِ رِعايَةَ المَكفولينَ، وتُغيرُ به [تعزه به، تعير به] وِلايَةَ المُتَّصِلينَ المَقبولينَ.
يا مَن هُوَ أبَرُّ بي مِنَ الوالِدِ الشَّفيقِ، وأَقرَبُ إلَيَّ مِنَ الصّاحِبِ اللَّزيقِ [الرفيق]، أنتَ مَوضِعُ أنسي فِي الخَلوَةِ إذا أوحَشَنِي المَكانُ، ولَفَظَتنِي [لقطتني] الأَوطانُ، وفارَقَتنِي الأُلّافُ وَالجيرانُ، وَانفَرَدتُ في مَحَلٍّ ضَنكٍ، قَصيرِ السَّمكِ، ضَيِّقِ الضَّريحِ، مُطبَقِ الصَّفيحِ، مَهولٍ مَنظَرُهُ، ثَقيلٍ مَدَرُهُ مستقلة [مخلّاة] بِالوَحشَةِ عَرصَتُهُ، مُستغَشّاةٍ بِالظُّلمَةِ ساحَتُهُ، عَلى غَيرِ مِهادٍ ولا وِسادٍ، ولا تَقِدمَةِ زادٍ ولَا اعتِدادٍ، فَتَدارَكْني بِرَحمَتِكَ الَّتي وَسِعَتِ الأَشياءَ أكنافُها، وجَمَعَتِ الأَحياءَ أطرافُها، وعَمَّتِ البَرايا ألطافُها، وعُد عَلَيَّ بِعَفوِكَ يا كَريمُ، ولا تُؤاخِذني بِجَهلي يا رَحيمُ.
اللَّهُمَّ ارحَم مَنِ أكتنفَتهُ سَيِّئاتُهُ، وأَحاطَت بِهِ خَطيئاتُهُ، وحُفَّت بِهِ جِناياتُهُ، بِعَفوِكَ ارحَم مَن لَيسَ لَهُ مِن عَمَلِهِ شافِعٌ، ولا يَمنَعُهُ مِن عَذابِكَ مانِعٌ، ارحَمِ الغافِلَ عَمّا أضَلَّهُ [اظلّه]، وَالذّاهِلَ عَنِ الأَمرِ الَّذي خُلِقَ لَهُ، ارحَم مَن نَقَضَ العَهدَ وغَدَرَ، وعَلى مَعصِيَتِكَ انطَوى وأَصَرَّ، وجاهَرَكَ بِجَهلِهِ ومَا استَتَرَ، ارحَم مَن ألقى عَن رَأسِهِ قِناعَ الحَياءِ، وحَسَرَ عَن ذِراعَيهِ جِلبابَ الأَتقِياءِ، وَاجتَرَأَ عَلى سَخَطِكَ بِارتِكابِ الفَحشاءِ، فيَا مَن لَم يَزَل عَفُوّاً غَفّاراً، ارحَم مَن لَم يَزَل مُسقَطاً عَثّاراً.
اللَّهُمَّ اغفِر لي ما مَضى مِنّي، وَاختِم لي بِما تَرضى بِهِ عَنّي، وَاعقِد عَزائِمي عَلى تَوبَةٍ بِكَ مُتَّصِلَةٍ، ولَدَيكَ مُتَقَبَّلَةٍ، تُقيلُني بِها عَثَراتي، وتَستُرُ بِها عَوراتي، وتَرحَمُ بِها عَبَراتي، وتُجيرُني بِها إجارَةً مِن مَعاطِبِ انتِقامِكَ، وتُنيلُني بِهَا المَسَرَّةَ بِمَواهِبِ إنعامِكَ، يَومَ تَبرُزُ الأَخبارُ، وتَعظُمُ الأَخطارُ، وتُبلَى الأَسرارُ، وتُهتَكُ الأَستارُ، وتَشخَصُ القُلوبُ وَالأَبصارُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ، وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ، إنَّكَ مَعدِنُ الآلاءِ وَالكَرَمِ، وصارِفُ اللَّأواءِ وَالنِّقَمِ، لا إلهَ إلّا أنتَ، عَلَيكَ أعتَمِدُ، وبِكَ أستَعينُ، وأَنتَ حَسبي، وكَفى بِكَ وَكيلًا.
يا مالِكَ خَزائِنِ الأَقواتِ، وفاطِرَ أصنافِ البَرِيّاتِ، وخالِقَ سَبعِ طَرائِقَ مَسلوكاتٍ مِن فَوقِ سَبعِ أرَضينَ مُذَلَّلاتٍ، العالي في وَقارِ العِزِّ وَالمَنَعَةِ، وَالدّائِمُ في كِبرِياءِ الهَيبَةِ وَالرِّفعَةِ، وَالجَوادُ بِنَيلِهِ عَلى خَلقِهِ مِن سَعَةٍ، لَيسَ لَهُ حَدٌّ ولا أمَدٌ، ولا يُدرِكُهُ تَحصيلٌ ولا عَدَدٌ، ولا يُحيطُ بِوَصفِهِ أحَدٌ.
الحَمدُ للَّهِ خالِقِ أمشاجِ النَّسَمِ، ومولِجِ الأَنوارِ فِي الظُّلَمِ، ومُخرِجِ المَوجودِ مِنَ العَدَمِ، وَالسّابِقِ الأَزَلِيَّةِ بِالقِدَمِ، وَالجَوادِ عَلَى الخَلقِ بِسَوابِغِ النِّعَمِ، وَالعَوّادِ عَلَيهِم بِالفَضلِ وَالكَرَمِ، الَّذي لا يُعجِزُهُ كَثرَةُ الإِنفاقِ، ولا يُمسِكُه خَشيَةَ الإِملاقِ، ولا يَنقُصُهُ إدرارُ الأَرزاقِ، ولا يُدرَكُ بِأَناسِيِّ الأَحداقِ، ولا يوصَفُ بِمُضامَّةٍ [بمصابة] ولَا افتِراقٍ.
أحمَدُهُ عَلى جَزيلِ إحسانِهِ، وأَعوذُ بِهِ مِن حُلولِ خِذلانِهِ، وأَستَهديهِ بِنورِ بُرهانِهِ، وأؤمِنُ بِهِ حَقَّ إيمانِهِ.
وأَشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا الله وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، الَّذي عَمَّ الخَلائِقَ جَدواهُ، وتَمَّ حُكمُهُ فيمَن أضَلَّ مِنهُم وهَداهُ، وأَحاطَ عِلماً بِمَن أطاعَهُ وعَصاهُ، وَاستَولى عَلَى المُلكِ بعَوائدِ [بعزّابد] فَحَواهُ، فَسَبَّحَت لَهُ السَّماواتُ وأَكنافُها، وَالأَرضُ وأَطرافُها، وَالجِبالُ وأَعرافُها [اعراقها]، وَالشَّجَرُ وأَغصانُها، وَالبِحارُ وحيتانُها، وَالنُّجومُ في مَطالِعِها، وَالأَمطارُ في مَواقِعِها، ووُحوشُ الأَرضِ وسِباعُها، ومَدَرُ الأَنهارِ وأَمواجُها، وعَذبُ المِياهِ وأجاجُها، وهُبوبُ الرّياحِ [الريح] وعَجاجُها، وكُلُّ ما وَقَعَ عَلَيهِ وَصفٌ وتَسمِيَةٌ، أو يُدرِكُهُ حَدٌّ يَحويهِ، مِمّا يُتَصَوَّرُ فِي الفِكرِ، أو يُتَمَثَّلُ بِجِسمٍ أو قَدَرٍ، أو يُنسَبُ إلى عَرَضٍ أو جَوهَرٍ، مِن صَغيرٍ حَقيرٍ، أو خَطيرٍ كَبيرٍ، مُقِرّاً لَهُ بِالعُبودِيَّةِ خاشِعاً، مُعتَرِفاً لَهُ بِالوَاحدانِيَّةِ طائِعاً، مُستَجيباً لِدَعوَتِهِ خاضِعاً، مُتَضَرِّعاً لِمَشِيَّتِهِ مُتَواضِعاً، لَهُ المُلكُ الَّذي لا نَفادَ لِدَيمومِيَّتِهِ، ولَا انقِضاءَ لِعِدَّتِهِ.
وأَشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ الكَريمُ، ورَسولُهُ الطّاهِرُ المَعصومُ، بَعَثَهُ وَالنّاسُ في غَمرَةِ الضَّلالَةِ ساهونَ، وفي غِرَّةِ الجَهالَةِ لاهونَ، لا يَقولونَ صِدقاً، ولا يَستَعمِلونَ حَقّاً، قَدِ اكتَنَفَتهُمُ القَسوَةُ، وحَقَّت عَلَيهِمُ الشِّقوَةُ، إلّا مَن أحَبَّ الله إنقاذَهُ، ورَحِمَهُ وأَعانَهُ، فَقامَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآلِهِ فيهِم مُجِدّاً في إنذارِهِ، مُرشِداً لِأَنوارِهِ، بِعَزٍ [بعزم] ثاقِبٍ، وحُكمٍ واجِبٍ، حَتّى تَأَلَّقَ شِهابُ الإِيمانِ، وتَفَرَّقَ حِزبُ الشَّيطانِ، وأَعَزَّ الله جُندَهُ، وعُبِدَ وَحدَهُ.
ثُمَّ اختارَهُ الله فَرَفَعَهُ إلى رَوحِ جَنَّتِهِ، وفَسيحِ كَرامَتِهِ، فَقَبَضَهُ تَقِيّاً زَكِيّاً، راضِياً مَرضِيّاً، طاهِراً نَقِيّاً، وَتَمَّتْ كَلِمَات [كلمة] رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
صَلَّى الله عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وأَقرَبيهِ، وذَوي رَحمِهِ ومَواليهِ، صَلاةً جَليلَةً جَزيلَةً، مَوصولَةً مَقبولَةً، لَا انقِطاعَ لِمَزيدِها، ولَا اتِّضاعَ لِمَشيدِها، ولَا امتِناعَ لِصُعودِها، تَنتَهي إلى مَقَرِّ أرواحِهِم، ومَقامِ فَلاحِهِم، فَيُضاعِفُ الله لَهُم تَحِيّاتِها، ويُشَرِّفُ لَدَيهِم صَلَواتِها، فَتَتَلَقّاهُم مَقرونَةً بِالرَّوحِ وَالسُّرورِ، مَحفوفَةً بِالنَّضارَةِ وَالنّورِ، دائِمَةً بِلا فَناءٍ [نفاد] ولا فُتورٍ.
اللَّهُمَّ اجعَل أكمَلَ صَلَواتِكَ وأَشرَفَها، وأَكمَلَ تَحِيّاتِكَ وأَلطَفَها، وأَشمَلَ بَرَكاتِكَ وأَعطَفَها، وأَجَلَّ هِباتِكَ وأرأَفَها، عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيّينَ وأَكرَمِ الأُمِّيّينَ، وعَلى أهلِ بَيتِهِ الأَصفِياءِ الطّاهِرينَ، وعِترَتِهِ النُّجَباءِ المُختارينَ، وشيعَتِهِ الأَوفِياءِ المُوازِرينَ، مِن أنصارِهِ وَالمُهاجِرينَ، وأَدخِلنا في شَفاعَتِهِ يَومَ الدّينِ، مَعَ مَن دَخَلَ في زُمرَتِهِ مِنَ المُوَحِّدينَ، يا أكرَمَ الأَكرَمينَ، وأرحَمَ الرّاحِمينَ.
اللَّهُمَّ أنتَ المَلِكُ الَّذي لا يُمَلَكُ، وَالواحِدُ الَّذي لا شَريكَ لَكُ، يا سامِعَ السِّرِّ وَالنَّجوى، ويا دافِعَ الضُّرِّ وَالبَلوى، ويا كاشِفَ العُسرِ وَالبُؤسى، وقابِلَ العُذرِ وَالعُتبى، ومُسبِلَ السِّترِ عَلَى الوَرى، جَلِّلني مِن رَأفَتِكَ بِأَمنٍ [بامر] واقٍ، وسُمني [واشملني] مِن رِعايَتِكَ بِرُكنٍ باقٍ، وأَوصِلني بِعِنايَتِكَ إلى غايَةِ السِّباقِ، وَاجعَلني بِرَحمَتِكَ مِن أهلِ الرِّعايَةِ لِلميثاقِ، وَاعمُر قَلبي بِخَشيَةِ ذَوِي الإِشفاقِ.
يا مَن لَم يَزَل فِعلُهُ بي حَسَناً جَميلًا، ولَم يَكُن بِسَترِهِ عَلَيَّ بَخيلًا، ولا بِعُقوبَتِهِ عَلَيَّ عَجولًا، أتمِم عَلَيَّ ما ظاهَرتَ مِن تَفَضُّلِكَ، ولا تُؤاخِذني بِما سَتَرتَ عَلَيَّ عِندَ نَظَرِكَ [بما سترت بتطولك].
سَيِّدي، كَم مِن نِعمَةٍ ظَلَلتُ لِأَنيقِ بَهجَتِها لابِساً، وكَم أسدَيتَ عِندي مِن يَدٍ قَد طَفِقتَ بِهدايَتِها مُنافِساً، وكَم قَلَّدتَني مِن مِنَّةٍ ضَعُفَت قُوايَ عَن حَملِها، وذَهِلَت فِطنَتي عَن ذِكرِ فَضلِها، وعَجَزَ شُكري عَن جَزائِها، وضِقتُ ذَرعاً بِإِحصائِها، قابَلتُكَ فيها بِالعِصيانِ، ونَسيتُ شُكرَ ما أولَيتَني فيها مِنَ الإِحسانِ، فَمَن أسوَأُ حالًا مِنّي إن لَم تَتَدارَكني [تداركني] بِالغُفرانِ؟ وتوزِعني شُكرَ مَا اصطَنَعتَ عِندي مِن فَوائِدِ الامتِنانِ، فَلَستُ مُستَطيعاً لِقَضاءِ حُقوقِكَ إن لَم تُؤَيِّدني بِصُحةِ [بصحبة] تَوفيقِكَ.
سَيِّدي، لَولا نورُكَ عَميتُ عَنِ الدَّليلِ، ولَولا تَبصيرُكَ ضَلَلتُ عَنِ السَّبيلِ، ولَولا تَعريفُكَ لَم أرشَد لِلقَبولِ، ولَولا تَوفيقُكَ لَم أهتَدِ إلى مَعرِفَةِ التَّأويلِ.
فَيا مَن أكرَمَني بِتَوحيدِهِ، وعَصَمَني عَنِ الضَّلالِة بِتَسديدِهِ، وأَلزَمَني إقامَةَ حُدودِهِ، لا تَسلُبني ما وَهَبتَ لي مِن تَحقيقِ مَعرِفَتِكَ، وأَحيِني بِيَقينٍ أسلَمُ بِهِ مِنَ الإِلحادِ في صِفَتِكَ، يا خَيرَ مَن رَجاهُ الرّاجونَ، وأَرأَفَ مَن لَجَأَ إلَيهِ اللّاجئونَ، وأَكرَمَ مَن قَصَدَهُ المُحتاجونَ، ارحَمني إذَا انقَطَعَ مَعلومُ عُمُري، ودَرَسَ ذِكري وَامتحى [وامنحى] أثَري، وبُوِّئتُ [ثويت] فِي الضَّريحِ مُرتَهَناً بِعَمَلي، مَسؤولًا عَمّا أسلَفتُهُ مِن فارِطِ زَلَلي، مَنسِيّاً كَمَن نُسِيَ فِي الأَمواتِ مِمَّن كانَ قَبلي.
رَبِّ، سَهِّل لي تَوبَةً إلَيكَ، وأَعِنّي عَلَيها، وَاحمِلني عَلى مَحَجَّةِ الإِخباتِ لَكَ، وأَرشِدني إلَيها، فَإِنَّ الحَولَ وَالقُوَّةَ بِمَعونَتِكَ، وَالثَّباتَ وَالانتِقالَ بِقُدرَتِكَ.
يا مَن هُوَ أرحَمُ لي مِنَ الوالِدِ الشَّفيقِ، وأَبَرُّ بي مِنَ الوَلَدِ الرَّفيقِ، وأَقرَبُ إلَيَّ مِنَ الجارِ اللَّصيقِ، قَرِّبِ الخَيرَ مِن مُتَناوَلي، وَاجعَلِ الخِيَرَةَ العامَّةَ [التامة] فيما قَضَيتَ لي، وَاختِم لي بِالبِرِّ وَالتَّقوى عَمَلي، وأَجِرني مِن كُلِّ عائِقٍ يَقطَعُني عَنكَ، وكُلِّ قَولٍ وفِعلٍ يُباعِدُني مِنكَ، وَارحَمني رَحمَةً تَشفي بِها قَلبي مِن كُلِّ شُبهَةٍ مُعتَرِضَةٍ، وبِدعَةٍ مُمرِضَةٍ.
سَيِّدي، خابَ رَجاءُ مَن رَجا سِواكَ، وظَفِرَت يَدا [يد] مَن بِحاجَتِهِ ناجاكَ، وضَلَّ مَن يَدعُو العِبادَ لِكَشفِ ضُرِّهِم إلّا إيّاكَ، أنتَ المُؤَمَّلُ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخاءِ، وَالمَفزَعُ في كُلِّ كُربَةٍ وضَرّاءَ، وَالمُستَجارُ بِهِ مِن كُلِّ فادِحَةٍ ولَأواءٍ، لا يَقنَطُ مِن رَحمَتِكَ إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ، ولا يَيأَسُ مِنك [من رَوْحِك] إلّا مَن عَصى وأَصَرَّ، أنتَ وَلِيّي فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، تَوَفَّني مُسلِماً وأَلحِقني بِالصّالِحينَ.

يا مَن لا يَحرِمُ زُوّارَهُ عَطاياهُ، ولا يُسلِمُ مَنِ استَجارَهُ وَاستَكفاهُ، أمَلي واقِفٌ عَلى جَدواكَ، ووَجهُ طَلِبَتي مُنصَرِفٌ عَمَّن سِواكَ، وأَنتَ المَلجيءُ [المليء، الملبي] (1) بِتَيسيرِ الطَّلِباتِ، وَالوَفِيُّ بِتَكثيرِ الرَّغَباتِ، فَأَنجِح لِيَ المَطلوبَ مِن فَضلِكَ بِرَحمَتِكَ، وَاسمَح لي بِالمَرغوبِ فيهِ مِن بَذلِكَ بِنِعمَتِكَ.

سَيِّدي، ضَعُفَ جِسمي، ودَقَّ [رق] عَظمي، وكَبُرَ سِنّي، ونالَ الدَّهرُ مِنّي، ونَفَدَت مُدَّتي، وذَهَبَت شَهوَاتي [شهوتي]، وبَقِيَت تَبِعَتي، فَجُد بِحِلمِكَ عَلى جَهلي، وبِعَفوِكَ عَلى قَبيحِ فِعلي، ولا تُؤاخِذني بِما كَسَبتُ مِنَ الذُّنوبِ العِظامِ في سالِفِ الأَيّامِ.
سَيِّدي، أنَا المُعتَرِفُ بِإِساءَتي، المُقِرُّ بِخَطائي [بخطأي]، المَأسورُ بِإِجرامي، المُرتَهَنُ بِآثامي، المُتَهَوِّرُ بِإِساءَتي، المُتَحَيِّرُ عَن قَصدِ طَريقِي، انقَطَعَت مَقالَتي، وضَلَّ عُمُري، وبَطَلَت حُجَّتي في عَظيمِ وِزري، فَامنُن عَلَيَّ بِكَريمِ غُفرانِكَ، وَاسمَح لي بِعَظيمِ إحسانِكَ، فَإِنَّكَ ذو مَغفِرَةٍ لِلطّالِبينَ، شَديدُ العِقابِ لِلمُجرِمينَ.
سَيِّدي، إن كانَ صَغُرَ في جَنبِ طاعَتِكَ عَمَلي، فَقَد كَبُرَ في جَنبِ رَجائِكَ أمَلي.
سَيِّدي، كَيفَ أنقَلِبُ مِن عِندِكَ بِالخَيبَةِ مَحروماً، وظَنّي بِكَ أنَّكَ تَقلِبُني بِالنَّجاةِ مَرحوماً؟!
سَيِّدي، لَم أسَلِّط عَلى حُسنِ ظَنّي بِكَ قُنوطَ الآيِسينَ، فَلا تُبطِل لي صِدقَ رَجائي لَكَ فِي الآمِلينَ.
سَيِّدي، عَظُمَ جُرمي إذ بارَزتُكَ بِاكتِسابِهِ، وكَبُرَ ذَنبي إذ جاهَرتُكَ بِارتِكابِهِ، إلّا أنَّ عَظيمَ عَفوِكَ يَسَعُ المُعتَرِفينَ، وجَسيمَ غُفرانِكَ يَعُمُّ التَّوّابينَ.
سَيِّدي، إن دَعاني إلَى النّارِ مَخشِيُّ عِقابِكَ، فَقَد دَعاني إلَى الجَنَّةِ مَرجُوُّ ثَوابِكَ.
سَيِّدي، إن أوحَشَتنِي الخَطايا مِن [عن] مَحاسِنِ لُطفِكَ، فَقَد آنَسَنِي اليَقينُ بِمَكارِمِ عَطفِكَ، وإن أنامَتنِي الغَفلَةُ عَنِ الاستِعدادِ لِلِقائِكَ، فَقَد أيقَظَتنِي المَعرِفَةُ بِقَديمِ آلائِكَ، وإن عَزَبَ لبّي عَنّ تَقديمِ لِما [تقديم ما، تقويم ما] يُصلِحُني [وان عزب عني تقديمٌ لما يصلحني]، فَلَم يَعزُب إيقاني بِنَظَرِكَ إلَيَّ فيما يَنفَعُني، وإنِ انقَرَضَت بِغَيرِ ما أوجَبتَ [أحببت] مِنَ السَّعيِ أيّامي، فَبِالإِيمانِ أمضَيتُ السّالِفاتِ مِن أعوامي.
سَيِّدي، جِئتُك مَلهوفاً قَد لَبِستُ عدمَ فاقَتي، وأَقامَني مُقامَ الأَذِلّاءِ بَينَ يَدَيكَ ضُرُّ حاجَتي.
سَيِّدي، كَرُمتَ بكرمك فَأَكرِمني إذ كُنتُ مِن سُؤّالِكَ، وجُدتَ بِمَعروفِكَ فَاخلُطني [فالحقني] بِأَهلِ نَوالِكَ.
اللَّهُمَّ ارحَم مِسكيناً لا يُجيرهُ إلّا عَطاؤُكَ، وفَقيراً لا يُغنيهِ [لا يجبره] إلّا جَدواكَ.
سَيِّدي، أصبَحتُ عَلى بابٍ مِن أبوابِ مِنَحِكَ سائِلًا، وعَنِ التَّعَرُّضِ لسِواكَ عادِلًا، ولَيسَ مِن جَميلِ امتِنانِكَ رَدُّ سائِلٍ مَلهوفٍ، ومُضطَرٍّ لِانتِظارِ فَضلِكَ المَألوفِ.
سَيِّدي، إن حَرَمتَني رُؤيَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيهِ وآلِهِ فِي دارِ السَّلامِ، وأَعدَمتَني طَوفَ [طواف، تطواف، تطويف] الوَصائِفِ وَالخُدّامِ، وصَرَفتَ وَجهَ تَأميلي بِالخَيبَةِ في دارِ المُقامِ، فَغَيرَ ذلِكَ مَنَّتني نَفسي مِنكَ، يا ذَا الطَّولِ وَالإِنعامِ.
سَيِّدي، وعِزَّتِكَ لَو قَرَنتَني بالأَصفادِ، ومَنَعتَني سَيبكَ [سبيلك] مِن بَينِ العِبادِ، ما قَطَعتُ رَجائي عَنكَ، ولا صَرَفتُ انتِظاري لِلعَفوِ مِنكَ.
سَيِّدي، لَو لَم تَهدِني إلَى الإِسلامِ لَضَلَلتُ، ولَو لَم تُثَبِّتني إذاً لَزَلَلتُ، ولَو لَم تُشعِر قَلبِيَ الإِيمانَ بِكَ ما آمَنتُ ولا صَدَّقتُ، ولَو لَم تُطلِق لِساني بِدُعائِكَ ما دَعَوتُ، ولَو لَم تُعَرِّفني حَقيقَةَ مَعرِفَتِكَ ما عَرَفتُ، ولَو لَم تَدُلَّني عَلى كَريمِ ثَوابِكَ ما رَغِبتُ، ولَو لَم تُبَيِّن لي أليمَ عِقابِكَ ما رَهِبتُ، فَأَسأَ لُكَ تَوفيقي لِما يوجِبُ ثَوابَكَ، وتَخليصي مِمّا يَكسِبُ عِقابَكَ.
سَيِّدي، إن أقعَدَنِي التَّخَلُّفُ عَنِ السَّبقِ مَعَ الأَبرارِ، فَقَد أقامَتنِي الثِّقَةُ بِكَ عَلى مَدارِجِ الأَخيارِ.
سَيِّدي، كُلُّ مَكروبٍ إلَيكَ يَلتَجِئُ، وكُلُّ مَحزونٍ إيّاكَ يَرتَجي، سَمِعَ العابِدونَ بِجَزيلِ ثَوابِكَ فَخَشَعوا، وسَمِعَ المُوَلّونَ [المتولون] عَنِ القَصدِ بِجودِكَ فَرَجعوا، وسَمِعَ المَجرمونَ [محرومون] بِسَعَةِ فَضلِكَ فَطَمِعوا، حَتَّى ازدَحَمَت عَصائِبُ العُصاةِ مِن عِبادِكَ بِبابِكَ، وعَجَّت إلَيكَ الأَلسُنُ بِأَصنافِ الدُّعاءِ في بِلادِكَ، فَكُلُّ امل ساقَ صاحِبَهُ إلَيكَ مُحتاجاً، وكُلُّ قَلبٍ تَرَكَهُ وَجيبُ الخَوفِ إلَيكَ [منك] مُهتاجاً.
سَيِّدي، وأَنتَ المَسؤولُ الَّذي لا تَسوَدُّ لَدَيهِ وُجوهُ المَطالِبِ، ولَم يَردُد راجيهِ فَيُزيلَهُ عَنِ الحَقِّ إلَى المَعاطِبِ.
سَيِّدي، إن أخطَأتُ طَريقَ النَّظَرِ لِنَفسي بِما فيهِ كَرامَتُها، فَقَد أصَبتُ طَريقَ الفَرَجِ بِما فيهِ سَلامَتُها.
سَيِّدي، إن كانَت نَفسِي استَعبَدَتني مُتَمَرِّدَةً عَلَيَّ بِما يُرجيها، فَقَدِ استَعبَدتُهَا الآنَ عَلى ما يُنجيها.
سَيِّدي، إن أجحَفَ بي زادُ الطَّريقِ فِي المَسيرِ إلَيكَ، فَقَد أوصَلتُهُ بِذَخائِرِ ما أعدَدتُهُ مِن تَعويلي عَلَيكَ.
سَيِّدي، إذا ذَكَرتُ رَحمَتَكَ ضَحِكَت لَها عُيونُ مَسائلي، وإذا ذَكَرتُ عُقوبَتَكَ بَكَت لَها جُفونُ وَسائِلي.
سَيِّدي، أدعوكَ دُعاءَ مَن لَم يَدعُ غَيرَكَ في دُعائِهِ، وأَرجوكَ رَجاءَ مَن لَم يَقصِد غَيرَكَ بِرَجائِهِ.
سَيِّدي، وكَيفَ أرُدُّ عارِضَ تَطَلُّعي إلى نَوالِكَ، وإنَّما أنَا في هذَا الخَلقِ أحَدُ عِيالِكَ؟!
سَيِّدي، كَيفَ أسكِتُ بِالإِفحامِ لِسانَ ضَراعَتي وقَد أقلَقَني ما أبهِمَ عَلَيَّ مِن تَقديرِ عاقِبَتي؟!
سَيِّدي، قَد عَلِمتَ حاجَةَ جِسمي إلى ما قَد تَكَفَّلتَ لي مِنَ الرِّزقِ أيّامَ حَياتي، وعَرَفتَ قِلَّةَ استِغنائي عَنهُ بَعدَ وَفاتي.
فَيا مَن سَمَحَ لي بِهِ مُتَفَضِّلًا فِي العاجِلِ، لا تَمنَعنيهِ يَومَ حاجَتي إلَيهِ فِي الآجِلِ، فَمِن شَواهِدِ نَعماءِ الكَريمِ إتمامُ نَعمائِهِ، ومِن مَحاسِنِ آلاءِ الجَوادِ إكمالُ آلائِهِ.
سيدي ، لَولا ما جَهِلتُ مِن أمري لَم أستَقِلكَ عَثَراتي، ولَولا ما ذَكَرتُ مِن شِدَّةِ التَّفريطِ لَم أسكُب عَبَراتي. سَيِّدي، فَامحُ مُثبَتاتِ العَثَراتِ بمُسبَلاتِ العَبَراتِ، وهَب كَثيرَ السَّيِّئاتِ بِقَليلِ الحَسَناتِ.
سَيِّدي، إن كُنتَ لا تَرحَمُ إلَّا المُجِدّينَ في طاعَتِكَ، فَإِلى مَن يَفزَعُ المُقَصِّرونَ؟ وإن كُنتَ لا تَقبَلُ إلّا مِنَ المُجتَهِدينَ، فَإِلى مَن يَلجَأُ الخاطِئونَ؟ وإن كُنتَ لا تُكرِمُ إلّا أهلَ الإِحسانِ، فَكَيفَ يَصنَعُ المُسيئونَ؟ وإن كانَ لا يَفوزُ يَومَ الحَشرِ إلَّا المُتَّقونَ، فَبِمَن يَستَغيثُ المُذنِبونَ؟
سَيِّدي، إن كانَ لا يَجوزُ عَلَى الصِّراطِ إلّا مَن أجازَتهُ بَراءَةُ عَمَلِهِ، فَأَنّى بِالجَوازِ لِمَن لَم يَتُب إلَيكَ قَبلَ دُنُوِّ أجَلِهِ؟ وإن لَم تَجُد إلّا عَلى مَن عَمَّرَ بِالزُّهدِ مَكنونَ سَريرَتِهِ، فَمَن لِلمُضطَرِّ الَّذي لَم يُرضِهِ بَينَ العالَمينَ سَعيُ نَقِيَّتِهِ؟
سَيِّدي، إن حَجَبتَ عَن أهلِ تَوحيدِكَ نَظَرَ تَغَمُّدِكَ بِخَطيئاتِهِم، أوبَقَهُم [اوقعهم] غَضَبُكَ بَينَ المُشرِكينَ بِكُرُباتِهِم.
سَيِّدي، إن لَم تَشمَلنا يَدُ إحسانِكَ يَومَ الوُرودِ، اختَلَطنا فِي الخِزيِ يَومَ الحَشرِ بِذَوِي الجُحودِ، فَأَوجِب لَنا بِالإِسلامِ مَذخورَ هِباتِكَ، وأَصفِ ما كَدَّرَتهُ الجَرائِمُ بِصَفحِ صِلاتِكَ.
سَيِّدي، لَيسَ لي عِندَكَ عَهدٌ اتَّخَذتُهُ، ولا كَبيرُ عَمَلٍ أخلَصتُهُ، إلّا أنّي واثِقٌ بِكَريمِ أفعالِكَ، راجٍ لِجَسيمِ إفضالِكَ، عَوَّدتَني مِن جَميلِ تَطَوُّلِكَ عادَةً أنتَ أولى بِإِتمامِها، ووَهَبتَ لي مِن خُلوصِ مَعرِفَتِكَ حَقيقَةً أنتَ المَشكورُ عَلى إلهامِها.

سَيِّدي، ما جَفَّت هذِهِ العُيونُ لِفَرطِ بُكائِها، ولا جادَت هذِهِ الجُفونُ بِفَيضِ مائِها، ولا أسعَدَها نَحيبُ الباكِياتِ الثّاكِلاتِ لِفَقدِ عَزائِها، إلّا بما (2) أسلَفَتهُ مِن عَمدِها وخَطائِها، وأَنتَ القادِرُ سَيِّدي عَلى كَشفِ غَمائها.

سَيِّدي، أمَرتَ بِالمَعروفِ وأَنتَ أولى بِهِ مِنَ المَأمورينَ، وحَضَضتَ عَلى إعطاءِ السّائِلينَ وأَنتَ خَيرُ المَسؤولينَ، ونَدَبتَ إلى عِتقِ الرِّقابِ وأَنتَ خَيرُ المُعتِقينَ، وَحَثثتَ عَلَى الصَّفحِ عَنِ المُذنِبينَ وأَنتَ أكرَمُ الصّافِحينَ.
سَيِّدي، إن تَلَونا مِن كِتابِكَ سَعَةَ رَحمَتِكَ أشفَقنا من مُخالَفَتِكَ، وفَرِحنا بِبَذلِ رَحمَتِكَ، وإذا تَلَونا ذِكرَ عُقوبَتِكَ جَدَدنا في طاعَتِكَ، وفَرِقنا مِن أليمِ نَقِمَتِكَ، فَلا رَحمَتُكَ تُؤمِنُنا، ولا سَخَطُتكَ يُؤيِسُنا.

سَيِّدي، كَيفَ يَمتنَّعُ [يتمنع] (3) مَن فيها مِن طَوارِقِ الرَّزايا، وقَد رُشِقَ في كُلِّ دارٍ مِنها سَهمٌ مِن سِهامِ المَنايا؟

سَيِّدي، إن كانَ ذَنبي مِنكَ قَد أخافَني، فَإِنَّ حُسنَ ظَنّي بِكَ قَد أجارَني، وإن كانَ خَوفُكَ قَد أوبَقَني، فَإِنَّ حُسنَ نَظَرِكَ لي قَد أطلَقَني.
سَيِّدي، إن كانَ قَد دَنا مِنّي أجَلي، ولَم يُقَرِّبني مِنكَ عَمَلي، فَقَد جَعَلتُ الاعتِرافَ بِالذَّنبِ أوجَهَ وَسائِلِ عِلَلي.
سَيِّدي، مَن أولى بِالرَّحمَةِ مِنكَ إن رَحِمتَ؟ ومَن أعدَلُ فِي الحُكمِ مِنكَ إن عَذَّبتَ؟
سَيِّدي، لَم تَزل بَرّاً بي أيّامَ حَياتي، فَلا تَقطَع لَطيفَ بِرِّكَ بي بَعدَ وَفاتي.
سَيِّدي، كَيفَ آيَسُ مِن حُسنِ نَظَرِكَ بي بَعدَ مَماتي، وأَنتَ لَم تُوَلِّني إلّا جَميلًا في حَياتي؟!
سَيِّدي، عَفوُكَ أعظَمُ مِن كُلِّ جُرمٍ، ونِعمَتُكَ مَمحاةٌ لِكُلِّ إثمٍ.
سَيِّدي، إن كانَت ذُنوبي قَد أخافَتني، فَإِنَّ مَحَبَّتي لَكَ قَد آمَنَتني، فَتَوَلَّ مِن أمري ما أنتَ أهلُهُ، وعُد بِفَضلِكَ عَلى مَن قَد غَمَرَهُ جَهلُهُ، يا مَنِ السِّرُّ عِندَهُ عَلانِيَةٌ، ولا تَخفى عَلَيهِ مِنَ الغَوامِضِ خافِيَةٌ، فَاغفِر لي ما خَفِيَ عَلَى النّاسِ مِن أمري، وخَفِّف بِرَحمَتِكَ مِن ثِقلِ الأَوزارِ ظَهري.
سَيِّدي، سَتَرتَ عَلَيَّ ذُنوبي فِي الدُّنيا ولَم تُظهِرها، فَلا تَفضَحني بِها فِي القِيامَةِ وَاستُرها، فَمَن أحَقُّ بِالسَّترِ مِنكَ يا سَتّارُ؟ ومَن أولى مِنكَ بِالعَفوِ عَنِ المُذنِبينَ يا غَفّارُ؟
إلهي، جودُكَ بَسَطَ أمَلي، وسَترُكَ قَبِلَ عَمَلي، فَسُرَّني بِلِقائِكَ عِندَ اقتِرابِ أجَلي.
سَيِّدي، لَيسَ اعتِذاري إلَيكَ اعتِذارَ مَن يَستَغني عَن قَبولِ عُذرِهِ، ولا تَضَرُّعي تَضَرُّعَ مَن يَستَنكِفُ عَن مَسأَلَتِكَ لِكَشفِ ضُرِّهِ، فَاقبَل عُذري يا خَيرَ مَنِ اعتَذَرَ إلَيهِ المُسيئونَ، وأَكرَمَ مَنِ استَغفَرَهُ الخاطِئونَ.
سَيِّدي، لا تَرُدَّني في حاجَةٍ قَد أفنَيتُ عُمُري في طَلَبِها مِنكَ، ولا أجِدُ غَيرَكَ مَعدِلًا بِها عَنكَ.
سَيِّدي، لَو أرَدتَ إهانَتي لَم تَهدِني، ولَو أرَدتَ فَضيحَتي لَم تَستُرني، فَأَدِم إمتاعي بِما لَهُ هَدَيتَني، ولا تَهتِك عَني ما بِهِ سَتَرتَني.
سَيِّدي، لَولا مَا اقتَرَفتُ مِنَ الذُّنوبِ ما خِفتُ عِقابَكَ، ولَولا ما عَرَفتُ مِن كَرَمِكَ ما رَجَوتُ ثَوابَكَ، وأَنتَ أكرَمُ الأَكرَمينَ بِتَحقيقِ أملِ الآمِلينَ، وأَرحَمُ مَنِ استُرحِمَ فِي التَّجاوُزِ عَنِ المُذنِبينَ.
سَيِّدي، ألقَتنِي الحَسَناتُ بَينَ جودِكَ وإحسانِكَ، وأَلقَتنِي السَّيِّئاتُ بَينَ عَفوِكَ وغُفرانِكَ، وقَد رَجَوتُ أن لا يضيعَ بَينَ ذَينَ وذَينَ مُسيءٌ مُرتَهَنٌ بِجَريرَتِهِ، ومُحسِنٌ مُخلِصٌ في بَصيرَتِهِ.
سَيِّدي، إذا شَهِدَ لِيَ الإِيمانُ بِتَوحيدِكَ، ونَطَقَ لِساني بِتَمجيدِكَ، ودَلَّنِي القُرآنُ عَلى فَواضِلِ جودِكَ، فَكَيفَ لا يَبتَهِجُ رَجائي بِتَحقيقِ مَوعودِكَ، ولا يفرَحُ امنِيَّتي بِحُسنِ مَزيدِكَ؟!
سَيِّدي، إن غَفَرتَ فَبِفَضلِكَ، وإن عَذَّبتَ فَبِعَدلِكَ، فَيا مَن لا يُرجى إلّا فَضلُهُ، ولا يُخشى إلّا عَدلُهُ، امنُن عَلَيَّ بِفَضلِكَ، ولا تَستَقضِ عَلَيَّ في عَدلِكَ.
سَيِّدي، أدعوكَ دُعاءَ مُلِحٍّ لا يَمَلُّ مَولاهُ، وأَتَضَرَّعُ إلَيكَ تَضَرُّعَ مَن أقَرَّ عَلى نَفسِهِ بِالحُجَّةِ في دَعواهُ، وأخَضَعَ لَكَ خُضوعَ مَن يُؤَمِّلُكَ لِآخِرَتِهِ ودُنياهُ، فَلا تَقطَع عِصمَةَ رَجائي، وَاسمَع تَضَرُّعي، وَاقبَل دُعائي، وثَبِّت حُجَّتي عَلى ما أثبِتُ مِن دَعوايَ.
سَيِّدي، لَو عَرَفتُ اعتِذاراً مِنَ الذَّنبِ لَأَتَيتُهُ، فَأَنَا المُقِرُّ بِما أحصَيتَهُ وجَنَيتُهُ، وخالَفتُ أمرَكَ فيهِ فَتَعَدَّيتُهُ، فَهَب لي ذَنبي بِالاعتِرافِ، ولا تَرُدَّني في طَلِبَتي [طلبي] عِندَ الانصِرافِ.
سَيِّدي، قَد أصَبتُ مِنَ الذُّنوبِ ما قَد عَرَفتَ، وأَسرَفتُ عَلى نَفسي بِما قَد عَلِمتَ، فَاجعَلني عَبداً إمّا طائِعاً فَأَكرَمتَهُ [فأكرمتني]، وإمّا عاصِياً فَرَحِمتَهُ [فرحمتني].
سَيِّدي، كَأَنّي بِنَفسي قَد اضجِعَت في قَعرِ حُفرَتِها، وَانصَرَفَ عَنهَا المُشَيِّعونَ مِن جيرَتِها، وبَكى عَلَيهَا الغَريبُ لِطولِ غُربَتِها، وجادَ عَلَيها بِالدُّموعِ المُشفِقُ مِن عَشيرَتِها، وناداها مِن شَفيرِ القَبرِ ذوو مَوَدَّتِها، ورَحِمَهَا المُعادي لَها فِي الحَياةِ عِندَ صَرعَتِها، ولَم يَخفَ عَلَى النّاظِرينَ إلَيها فَرطُ فاقَتِها، ولا عَلى مَن قَد رَآها تَوَسَّدَتِ الثّرى عَجزُ حيلَتِها.
فَقُلتَ: مَلائِكَتي، فَريدٌ نَأى عَنهُ الأَقرَبونَ، وبَعيدٌ جَفاهُ الأَهلونَ، ووَحيدٌ فارَقَهُ المالُ وَالبَنونَ، نَزَلَ بي قَريباً، وسَكَنَ اللَّحدَ غَريباً، وكانَ لي في دارِ الدُّنيا داعِياً، ولِنَظَري لَهُ في هذَا اليَومِ راجِياً، فَتُحسِنُ عِندَ ذلِكَ ضِيافَتي، وتَكونُ أشفَقَ عَلَيَّ مِن أهلي وقَرابَتي.
إلهي، وسَيِّدي، لَو أطبَقَت ذُنوبي ما بَينَ ثَرَى الأَرضِ إلى أعنانِ السَّماءِ، وخَرَقَتِ النُّجومَ إلى حَدِّ الانتِهاءِ، ما رَدَّنِيَ اليَأسُ عَن تَوَقُّعِ غُفرانِكَ، ولا صَرَفَنِيَ القُنوطُ عَنِ انتِظارِ رِضوانِكَ.
سَيِّدي، قَد ذَكَرتُكَ بِالذِّكرِ الَّذي ألهَمتَنيهِ، ووَحَّدتُكَ بِالتَّوحيدِ الَّذي أكرَمتَنيهِ [الزمتنيه]، ودَعَوتُكَ بِالدُّعاءِ الَّذي عَلَّمتَنيهِ، فَلا تَحرِمني بِرَحمَتِكَ الجَزاءَ الَّذي وَعَدتَنيهِ، فَمِنَ النِّعمَةِ لَكَ عَلَيَّ أن هَدَيتَني بِحُسنِ دُعائِكَ، ومِن إتمامِها أن توجِبَ لي مَحمودَةَ جَزائِكَ.
سَيِّدي، أنتَظِرُ عَفوَكَ كَما يَنتَظِرُهُ المُذنِبونَ، ولَستُ أيأَسُ مِن رَحمَتِكَ الَّتي يَتَوَقَّعُهَا المُحسِنونَ.
إلهي، وسَيِّدِي، انهَمَلَت بِالسَّكبِ عَبَراتي، حينَ ذَكَرتُ خَطايايَ وعَثَراتي، وما لَها لا تَنهَمِلُ وتَجري وتَفيضُ ماؤُها، وتَدري ولَستُ أدري إلى ما يَكونُ مَصيري، وعَلى ما يَتَهَجَّمُ عِندَ البَلاغِ مَسيري؟
يا أنسَ كُلِّ غَريبٍ مُفرَدٍ، آنِس فِي القَبرِ وَحشَتي، ويا ثانِيَ كُلِّ وَحيدٍ ارحَم فِي الثَّرى طولَ وَحدَتي.
سَيِّدي، كَيفَ نَظَرُكَ لي بَينَ سُكّانِ الثَّرى؟ وكَيفَ صَنيعُكَ بي في دارِ الوَحشَةِ وَالبِلى؟ فَقَد كُنتَ بي لَطيفاً أيّامَ حَياةِ الدُّنيا، يا أفضَلَ المُنعِمينَ في آلائِهِ، وأَنعَمَ المُفضِلينَ في نَعمائِهِ، كَثُرَت أياديكَ فَعَجَزتُ عَن إحصائِها، وضِقتُ ذَرعاً في شُكري لَكَ بِجَزائِها.
فَلَكَ الحَمدُ عَلى ما أولَيتَ مِنَ التَّفَضُّلِ، ولَكَ الشُّكرُ عَلى ما أبلَيتَ مِنَ التَّطَوُّلِ.
يا خَيرَ مَن دَعاهُ الدّاعونَ، وأَفضَلَ مَن رَجاهُ الرّاجونَ، بِذِمَّةِ الإِسلامِ أتَوَسَّلُ إلَيكَ، وبِحُرمَةِ القُرآنِ أعتَمِدُ عَلَيكَ، وبِمُحَمَّدٍ وأَهلِ بَيتِهِ أستَشفِعُ وأَتَقَرَّبُ، وأُقَدِّمُهُم أمامَ حاجَتي إلَيكَ فِي الرَّغَبِ وَالرَّهَبِ.
اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وأَهلِ بَيتِهِ الطّاهِرينَ، وَاجعَلني بِحُبِّهِم يَومَ العَرضِ عَلَيكَ نَبيهاً، ومِنَ الأَنجاسِ وَالأَرجاسِ نَزيهاً، وبِالتَّوَسُّلِ بِهِم إلَيكَ مُقَرَّباً وَجيهاً.
يا كَريمَ الصَّفحِ وَالتَّجاوُزِ، ومَعدِنَ العَوارِفِ [المعارف] وَالجَوائِزِ، كُن عَن ذُنوبي صافِحاً مُتَجاوِزاً، وهَب لي مِن مُراقَبَتِكَ ما يَكونُ بَيني وبَينَ مَعاصيكَ حاجِزاً.
سَيِّدي، إنَّ مَن تَقَرَّبَ لديك بالخير مِنكَ لَمَكينٌ مِن مُوالاتِكَ، وإنَّ مَن تَحَبَّبَ إلَيكَ لَقَمينٌ بِمَرضاتِكَ، وإنَّ مَن تَعَرَّفَ بِكَ لَغَيرُ مَجهولٍ، وإنَّ مَنِ استَجارَ بِكَ لَغَيرُ مَخذولٍ.
سَيِّدي، أتُراكَ تُحرِقُ بِالنّارِ وَجهاً طالَما خَرَّ ساجِداً بَينَ يَدَيكَ؟ أم تُراكَ تَغُلُّ إلَى الأَعناقِ أكُفّاً طالَما تَضَرَّعَت في دُعائِها إلَيكَ؟ أم تُراكَ تُقَيِّدُ بِأَنكالِ الجَحيمِ أقداماً طالَما خَرَجَت مِن مَنازِلِها طَمَعاً فيما لَدَيكَ، مَنّاً مِنكَ عَلَيها لامَنّاً مِنها عَلَيكَ؟!
سَيِّدي، كَم مِن نِعمَةٍ لَكَ عَلَيَّ قَلَّ لَكَ عِندَها شُكري؟ وكَم مِن بَلِيَّةٍ ابتَلَيتَني بِها عَجَزَ عَنها صَبري؟ فَيا مَن قَلَّ شُكري عِندَ نِعَمِهِ فَلَم يَحرِمني، وعَجَزَ صَبري عِندَ بَلِيَّتي فَلَم يَخذُلني، جَميلُ فَضلِكَ عَلَيَّ أبطَرَني، وجَليلُ حِلمِكَ عَنّي غَرَّني.
سَيِّدي، قَويتُ بِعافِيَتِكَ عَلى مَعصِيَتِكَ، وأَنفَقتُ نِعمَتَكَ في سَبيلِ مُخالَفَتِكَ، وأَفنَيتُ عُمُري في غَيرِ طاعَتِكَ، فَلَم يَمنَعكَ جُرأَتي عَلى ما عَنهُ نَهَيتَني، ولَا انتِهاكي ما مِنهُ حَذَّرتَني أن سَتَرتَني بِحِلمِكَ السّاتِرِ، وحَجَبتَني عَن عَينِ كُلِّ ناظِرٍ، وعُدتَ بِكَريمِ أياديكَ حينَ عُدتُ بِارتِكابِ مَعاصيكَ، فَأَنتَ العَوّادُ بِالإِحسانِ، وأَنَا العَوّادُ بِالعِصيانِ.
سَيِّدي، أتَيتُكَ مُعتَرِفاً لَكَ بِسوءِ فِعلي، خاضِعاً لَكَ بِاستِكانَةِ ذُلّي، راجِياً مِنكَ جَميلَ ما عَرَّفتَنيهِ مِنَ الفَضلِ الَّذي عَوَّدتَنيهِ، فَلا تَصرِف رَجائي مِن فَضلِكَ خائِباً، ولا تَجعَل ظَنّي بِتَطَوُّلِكَ كاذِباً.
سَيِّدي، إنَّ أمَلي فيكَ يَتَجاوَزُ آمالَ الآمِلينَ، وسُؤالي إيّاكَ لا يُشبِهُ سُؤالَ السّائِلينَ؛ لِأَنَّ السّائِلَ إذا مُنِعَ امتَنَعَ عَنِ السُّؤالِ، وأَنَا فَلا غَنى بي عَنكَ في كُلِّ حالٍ.
سَيِّدي، غَرَّني بِكَ حِلمُكَ عَنّي إذ حَلُمتَ، وعَفوُكَ عَن ذَنبي إذ رَحِمتَ، وقَد عَلِمتُ أنَّكَ قادِرٌ أن تَقولَ لِلأَرضِ: خُذيهِ فَتَأخُذَني، ولِلسَّماءِ: أمطِريهِ حِجارَةً فَتُمطِرَني، ولَو أمَرتَ بَعضي أن يَأخُذَ بَعضاً لَما أمهَلَني، فَامنُن عَلَيَّ بِعَفوِكَ عَن ذَنبي، وتُب عَلَيَّ تَوبَةً نَصوحاً تُطَهِّرُ بِها قَلبي.
سَيِّدي، أنتَ نوري في كُلِّ ظُلمَةٍ، وذُخري لِكُلِّ مُلِمَّةٍ، وعِمادي عِندَ كُلِّ شِدَّةٍ، وأَنيسي في كُلِّ خَلوَةٍ ووَحدَةٍ، فَأَعِذني من سوءِ مَواقِفِ الخائِنينَ، وَاستَنقِذني مِن ذُلِّ مَقامِ الكاذِبينَ.
سَيِّدي، أنتَ دَليلُ مَنِ انقَطَعَ دَليلُهُ، وأَمَلُ مَنِ امتَنَعَ تَأميلُهُ، فَإِن كانَت ذُنوبي حالَت بَينَ دُعائي وإجابَتِكَ، فَلَم يَحُل كَرَمُكَ بَيني وبَينَ مَغفِرَتِكَ، وإنَّكَ لا تُضِلُّ مَن هَدَيتَ، ولا تُذِلُّ مَن والَيتَ، ولا يَفتَقِرُ مَن أغنَيتَ، ولا يُسعَدُ مَن أشقَيتَ، وعِزَّتِكَ لَقَد أحبَبتُكَ مَحَبَّةً استَقَرَّت في قَلبي حَلاوَتُها، وأَنِسَت نَفسي بِبِشارَتِها، ومُحالٌ في عَدلِ أقضِيَتِكَ أن تَسُدَّ أبوابَ رَحمَتِكَ عَن مُعتَقِدي مَحَبَّتِكَ.
سَيِّدي، لَولا تَوفيقُكَ ضَلَّ الحائِرونَ، ولَولا تَسديدُكَ لَم يَنجُ المُستَغفرونَ، أنتَ سَهَّلتَ لَهُمُ السَّبيلَ حَتّى وَصَلوا، وأَنتَ أيَّدتَهُم بِالتَّقوى حَتّى عَمِلوا، فَالنِّعمَةُ عَلَيهِم مِنكَ جَزيلَةٌ، وَالمِنَّةُ مِنكَ لَدَيهِم مَوصولَةٌ.
سَيِّدي، أسأَلُكَ مَسأَلَةَ مِسكينٍ ضارِعٍ، مُستَكينٍ خاضِعٍ، أن تَجعَلَني مِنَ الموقِنينَ خُبراً وفَهماً، وَالمُحيطينَ مَعرِفَةً وعِلماً، إنَّكَ لَم تُنزِل كُتُبَكَ إلّا بِالحَقِّ، ولَم تُرسِل رُسُلَكَ إلّا بِالصِّدقِ، ولَم تَترُك عِبادَكَ هَمَلًا ولا سُدىً، ولَم تَدَعهُم بِغَيرِ بَيانٍ ولا هُدىً، ولَم تَرضَ مِنهُم بِالجَهالَةِ وَالإِضاعَةِ، بَل خَلَقتَهُم لِيَعبُدوكَ، ورَزَقتَهُم لِيَحمَدوكَ، ودَلَلتَهُم عَلى وَحدانِيَّتِكَ لِيُوَحِّدوكَ، ولَم تُكَلِّفهُم مِنَ الأَمرِ ما لا يُطيقونَ، ولَم تُخاطِبهُم بِما يَجهَلونَ، بَل هُم بِمَنهَجِكَ عالِمونَ، وبِحُجَّتِكَ مَخصوصونَ، أمرُكَ فيهِم نافِذٌ، وقَهرُكَ بِنَواصيهِم آخِذٌ، تَجتَبي مَن تَشاءُ فَتُدنيهِ، وتَهدي مَن أنابَ إلَيكَ مِن مَعاصيكَ فَتُنجيهِ، تَفَضُّلًا مِنكَ بِجَسيمِ نِعمَتِكَ، عَلى مَن أدخَلتَهُ في سَعَةِ رَحمَتِكَ، يا أكرَمَ الأَكرَمينَ، وأَرأَفَ الرّاحِمينَ.
سَيِّدي، خَلَقتَني فَأَكمَلتَ تَقديري، وصَوَّرتَني فَأَحسَنتَ تَصويري، فَصِرتُ بَعدَ العَدَمِ مَوجوداً، وبَعدَ المَغيبِ شَهيداً، وجَعَلتَني بِتَحَنُّنِ رَأفَتِكَ تامّاً سَوِيّاً، وحَفِظتَني فِي المَهدِ طِفلًا صَبِيّاً، ورَزَقتَني مِنَ الغِذاءِ سابِغاً هَنيئاً، ثُمَّ وَهَبتَ لي رَحمَةَ الآباءِ وَالأمَّهاتِ، وعَطَفتَ عَلَيَّ قُلوبَ الحَواضِنِ وَالمُرَبِّياتِ، كافِياً لي شُرورَ الإِنسِ وَالجانِّ، مُسَلِّماً لي مِنَ الزِّيادَةِ وَالنُّقصانِ، حَتّى أفصَحتُ ناطِقاً بِالكَلامِ، ثُمَّ أنبَتَّني زائِدَاً في كُلِّ عامٍ، وقَد أسبَغتَ عَلَيَّ مَلابِسَ الإِنعامِ.
ثُمَّ رَزَقتَني مِن ألطافِ المَعاشِ، وأَصنافِ الرِّياشِ، وكَنَفتَني بِالرِّعايَةِ في جَميعِ مَذاهِبي، وبَلَّغتَني ما أحاوِلُ مِن سائِرِ مَطالِبي إتماماً لِنِعمَتِكَ لَدَيَّ، وإيجاباً لِحُجَّتِكَ عَلَيَّ، وذلِكَ أكثَرُ مِن أن يُحصِيَهُ القائِلونَ، أو يُثنِيَ بِشُكرِهِ العامِلونَ، فَخالَفتُ ما يُقَرِّبُني مِنكَ، وَاقتَرَفتُ ما يُباعِدُني عَنكَ، فَظاهَرتَ عَلَيَّ جَميلَ سِترِكَ، وأَدنَيتَني بِحُسنِ نَظَرِكَ وبِرِّكَ، ولَم يُباعِدني عَن إحسانِكَ تَعَرُّضي لِعِصيانِكَ، بَل تابَعتَ عَلَيَّ في نِعَمِكَ، وجُدتَ عليَّ بِفَضلِكَ وكَرَمِكَ، فَإِن دَعَوتُكَ أجَبتَني، وإن سَأَلتُكَ أعطَيتَني، وإن شَكَرتُكَ زِدتَني، وإن أمسَكتُ عَن مَسأَلَتِكَ ابتَدَأتَني، فَلَكَ الحَمدُ عَلى بَوادي أياديكَ وتَواليها، حَمداً يُضاهي آلاءَكَ ويُكافيها.
سَيِّدي، سَتَرتَ عَلَيَّ فِي الدُّنيا ذُنوباً ضاقَ عَلَيَّ مِنهَا المَخرَجُ، وأَنَا إلى سَترِها عَلَيَّ فِي القِيامَةِ أحوَجُ، فَيا مَن جَلَّلَني بِسِترِهِ عَن لَواحِظِ المُتَوَسِّمينَ، لا تُزِل سِترَكَ عَنّي عَلى رُؤوسِ العالَمينَ.
سَيِّدي، أعطَيتَني فَأَسنَيتَ حَظّي، وحَفِظتَني فَأَحسَنتَ حِفظي، وغَذَّيتَني فَأَنعَمتَ غِذائي، وحَبَوتَني فَأَكرَمتَ مَثوايَ، وتَوَلَّيتَني بِفَوائِدِ البِرِّ وَالإِكرامِ، وخَصَصتَني بِنَوافِلِ الفَضلِ وَالإِنعامِ،
فَلَكَ الحَمدُ عَلى جَزيلِ جودِكَ، ونَوافِلِ مَزيدِكَ، حَمداً جامِعاً لِشُكرِكَ الواجِبِ، مانِعاً مِن عَذابِكَ الواصِبِ، مُكافِئاً لِما بَذَلتَهُ مِن أقسامِ المَواهِبِ.
سَيِّدي، عَوَّدتَني إسعافي بِكُلِّ ما أسأَلُكَ، وإجابَتي إلى تَسهيلِ كُلِّ ما أحاوِلُهُ، وأَنَا أعتَمِدُكَ في كُلِّ ما يَعرِضُ لي مِنَ الحاجاتِ، وأنزِلُ بِكَ كُلَّ ما يَخطُرُ بِبالي مِنَ الطَّلِباتِ، واثِقاً بِقَديمِ تطَوّلِكَ، ومُدِلًاّ بِكَريمِ تَفَضُّلِكَ، وأَطلُبُ الخَيرَ مِن حَيثُ تَعَوَّدتُهُ، وأَلتَمِسُ النُّجحَ مِن مَعدِنِهِ الَّذي تَعَرَّفتُهُ، وأَعلَمُ أنَّكَ لا تَكِلُ اللّاجئينَ إلَيكَ إلى غَيرِكَ، ولا تُخلِي الرّاجينَ لِحُسنِ تَطَوُّلِكَ مِن نَوافِلِ بِرِّكَ.
سَيِّدي، تَتابَعَ مِنكَ البِرُّ وَالعَطاءُ، فَلَزِمَنِي الشُّكرُ وَالثَّناءُ، فَما مِن شَيءٍ أنشُرُهُ وأَطويهِ مِن شُكرِكَ، ولا قَولٍ أعيدُهُ وأبديهِ في ذِكرِكَ، إلّا كُنتَ لَهُ أهلًا ومَحَلًاّ، وكانَ في جَنبِ مَعروفِكَ مُستَصغَراً مُستَقَلّاً.
سَيِّدي، أستَزيدُكَ مِن فَوائِدِ النِّعَمِ، غَيرَ مُستَبطِئٍ مِنكَ فيهِ سَنِيَّ الكَرَمِ، وأَستَعيذُ بِكَ مِن بَوادِرِ النِّقَمِ، غَيرَ مُخَيِّلٍ في عَدلِكَ خَواطِرَ التُّهَمِ.
سَيِّدي، عَظُمَ قَدرُ مَن أسعَدتَهُ بِاصطِفائِكَ، وعَدِمَ النَّصرَ مَن أبعَدتَهُ مِن فِنائِكَ.
سَيِّدي، ما أعظَمَ رَوحَ قُلوبِ المُتَوَكِّلينَ عَلَيكَ، وأَنجَحَ سَعيَ الآمِلينَ لِما لَدَيكَ.
سَيِّدي، أنتَ أنقَذتَ أولِياءَكَ مِن حَيرَةِ الشُّكوكِ، وأَوصَلتَ إلى قلوبهم [نفوسهم] خَيرَةَ المُلوكِ، وزَيَّنتَهُم بِحِليَةِ الوَقارِ وَالهَيبَةِ، وأَسبَلتَ عَلَيهِم سُتورَ العِصمَةِ وَالتَّوبَةِ، وسَيَّرتَ هممهم في مَلَكوتِ السَّماءِ، وحَبَوتَهُم بِخَصائِصِ الفَوائِدِ وَالحِباءِ، وعَقَدتَ عَزائِمَهُم بِحَبلِ مَحَبَّتِكَ، وآثَرتَ خَواطِرَهُم بِتَحصيلِ مَعرِفَتِكَ، فَهُم في خِدمَتِكَ مُتَصَرِّفونَ، وعِندَ نَهيِكَ وأَمرِكَ واقِفونَ، وبِمُناجاتِكَ آنِسونَ، ولَكَ بِصِدقِ الإِرادَةِ مُجالِسونَ، وذلِكَ بِرَأفَةِ تَحَنُّنِكَ عَلَيهِم، وما أسدَيتَ مِن جَميلِ مننكَ إلَيهِم.
سَيِّدي، بِكَ وَصَلوا إلى مَرضاتِكَ، وبِكَرَمِكَ استَشعَروا مَلابِسَ مُوالاتِكَ.
سَيِّدي، فَاجعَلني مِمَّن ناسَبَهُم مِن أهلِ طاعَتِكَ، ولا تُدخِلني فيمَن جانَبَهُم مِن أهلِ مَعصِيَتِكَ، وَاجعَل مَا أعتَقَدتُهُ مِن ذِكرِكَ خالِصاً مِن شُبَهِ الفِتَنِ، سالِماً مِن تَمويهِ الأَسرارِ وَالعَلَنِ، مَشوباً بِخَشيَتِكَ في كُلِّ أوانٍ، مُقَرَّباً مِن طاعَتِكَ فِي الإِظهارِ وَالإِبطانِ، داخِلًا فيما يُؤَيِّدُهُ الدّينُ ويَعصِمُهُ، خارِجاً مِمّا تَبنيهِ الدُّنيا وتَهدِمُهُ، مُنَزَّهاً عَن قَصدِ أحَدٍ سِواكَ، وَجيهاً عِندَكَ يَومَ أقومُ لَكَ وأَلقاكَ، مُحَصَّناً مِن لَواحِقِ الرِّياءِ، مُبَرَّءاً مِن بَوائِقِ الأَهواءِ، عارِجاً إلَيكَ مَعَ صالِحِ الأَعمالِ بِالغُدُوِّ وَالآصالِ، مُتَّصِلًا لا تَنقَطِعُ بَوادِرُهُ، ولا يُدرَكُ آخِرُهُ، مُثبَتاً عِندَكَ فِي الكُتُبِ المَرفوعَةِ فِي عِلِّيّينَ، مَخزوناً فِي الدّيوانِ المَكنونِ الَّذي يَشهَدُهُ المُقَرَّبونَ، ولا يَمَسُّهُ إلَّا المُطَهَّرونَ.
اللَّهُمَّ أنتَ وَلِيُّ الأَصفِياءِ وَالأَخيارِ، ولَكَ الخَلقُ وَالاختِيارُ، وقَد ألبَستَني فِي الدُّنيا ثَوبَ عافِيَتِكَ، وأَودَعتَ قَلبي صَوابَ مَعرِفَتِكَ، فَلا تُخلِني فِي الآخِرَةِ عَن عَواطِفِ رَأفَتِكَ، وَاجعَلني مِمَّن شَمِلَهُ عَفوُكَ، ولَم يَنَلهُ سَطوَتُكَ، يا مَن يَعلَمُ عِلَلَ الحَرَكاتِ وحَوادِثَ السُّكونِ، ولا تَخفى عَلَيهِ عَوارِضُ الخَطَراتِ في مَحالِّ الظُّنونِ، اجعَلنا مِنَ الَّذينَ أوضَحتَ لَهُمُ الدَّليلَ عَلَيكَ، وفَسَحتَ لَهُمُ السَّبيلَ إلَيكَ، فَاستَشعَروا مَدارِعَ الحِكمَةِ، وَاستَطرَقوا سُبُلَ التَّوبَةِ، حَتّى أناخوا في رِياضِ الرَّحمَةِ، وسَلِموا مِنَ الاعتِراضِ بِالعِصمَةِ، إنَّكَ وَلِيُّ مَنِ اعتَصَمَ بِنَصرِكَ، ومُجازي مَن أذعَنَ بِوُجوبِ شُكرِكَ، لا تَبخَلُ بِفَضلِكَ، ولا تُسأَلُ عَن فِعلِكَ، جَلَّ ثَناؤُكَ، وفَضُلَ عَطاؤُكَ، وتَظاهَرَت نَعماؤُكَ، وتَقَدَّسَت أسماؤُكَ، فَبِتَسييرِكَ يَجري سَدادُ الأمورِ، وبِتَقديرِكَ يَمضِي انقِيادُ التَّدبيرِ، تُجيرُ ولا يُجارُ مِنكَ، ولا لِراغِبٍ مَندوحَةٌ عَنكَ.
سُبحانَكَ لا إلهَ إلّا أنتَ، عَلَيكَ تَوَكُّلي، وإلَيكَ يَفِدُ أمَلي، وبِكَ ثِقَتي، وعَلَيكَ مُعَوَّلي، ولا حَولَ لي عَن مَعصِيَتِكَ إلّا بِتَسديدِكَ، ولا قُوَّةَ لي عَلى طاعَتِكَ إلّا بِتَأييدِكَ، لا إلهَ إلّا أنتَ سُبحانَكَ إنّي كُنتُ مِنَ الظّالِمينَ، يا أرحَمَ الرّاحِمينَ، وخَيرَ الغافِرينَ.
وصَلَّى الله عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيّينَ، وعَلى أهلِ بَيتِهِ الطّاهِرينَ، وأَصحابِهِ المُنتَجَبينَ وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً، وحَسُبنَا الله وَحدَهُ، ونِعمَ المُعينُ يا خير مدعو ويا خير مسئول ويا أ,سع من أعطى ويا خير من يحى ارزقني واوسع علي من واسع رزقك رزقا واسعا مباركا طيبا حلالا لا تعذبني عليه وسبب لي ذلك من فظلك انك على كل شيء قدير يا أرحم الراحمين.


١ - المَلِيّ بالشيء القيّم به الذي يجيد القيام عليه.

٢ - تحتمل لما

٣ - يمنع كذا في مناجاة امير المومنين

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025

Logo

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025