فصل:
إن الأنبياء والأئمة عليهم السلام تكون أوقاتهم مستغرقة بذكر الله، وقلوبهم مشغولة به، وخواطرهم متعلقة بالملأ الأعلى وهم أبداً في المراقبة، كما قال عليه السلام: أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فهم أبداً متوجهون إليه، ومقبلون بكليتهم عليه، فمتى انحطّوا عن تلك الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة إلى الاشتغال بالمأكل والمشرب والتفرغ إلى النكاح وغيره من المباحات عدّوه ذنباً واعتقدوه خطيئة، واستغفروا منه، ألا ترى أن بعض عبيد أبناء الدنيا لو قعد يأكل ويشرب وينكح وهو يعلم أنه بمرأى من سيده (1) ومسمع، لكان ملوماً عند الناس، ومقصراً فيما يجب عليه من خدمة سيده ومالكه، فما ظنك بسيد السادات ومالك الأملاك؟ وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله: إنه ليران على قلبي، وإني لأستغفر الله بالنهار سبعين مرة. وقوله: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
هذا ملخص كلامه، خصه الله بإكرامه، وقد اقتفى أثره القاضي الفاضل البيضاوي في شرح المصابيح (2) عند شرح قوله صلى الله عليه وآله: »إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في اليوم مئة مرة«، قال: قال: الغين لغة الغيم، وغان على قلبي كذا، أي غطّى عليه.
إلى أن قال: »[قال] القاضي: لما كان قلب النبي صلى الله عليه وآله أتم القلوب (3) صفاءً، وأكثرها ضياءً، وأعرقها عرفاناً، وكان صلى الله عليه وآله مع ذلك معنياً بتشريع الملة وتأسيس السنة، ميسِّراً غير معسّر، لم يكن له بد من النزول إلى الرخص والالتفات إلى حظوظ النفس مع ما كان ممتحناً به من أحكام البشرية، فكان إذا تعاطى شيئاً من ذلك، أسرعت كدورةٌ ما إلى القلب لكمال رقته وفرط نورانيته، فإن الشيء كلما كان أرق وأصفى كان ورود المكدرات عليه أبين وأهدى. وكان صلى الله عليه وآله إذا أحس بشيء من ذلك، عده على النفس ذنباً فاستغفر منه، انتهى كلامه ملخصاً«.
١ - فلان مرأيً ومسمع أي بحيث اراه واسمع. صراح اللغة.
٢ - غين تستثنى، يقال: منه اغنت وغانت الإبل مثل غامت دابته ويتركى ومنه غين على كذا أي غطى عليه، ومنه الحديث إنه ليغان على قلبي.
٣ - وقد بلغنا عن الأصمعي انه سئل عن هذا الحديث، فقال: للسائل عن قلب من تروي هذا؟ فقال: عن قلب النبي صلى الله عليه وآله، فقال الاصمعي: لو كان غير قلب النبي صلى الله عليه وآله لكنت أفسره لك.