فصل:

رقم الموضوع: ٩٣
سيرد عليك في هذه الأدعية وغيرها من الأدعية المأثورة، عن المعصومين عليه السلام ما ينافي ظاهره العصمة، من الإقرار بالذنوب، والاعتراف بالخطايا ويجب صرف جميع ما يوهم ذلك عن ظاهره، وقصره على مخالفة الأولى دون فعل المحرم؛ لقيام الدلائل القطعية التي لا تحتمل التأويل من العقل والنقل على العصمة، ويحتمل في أكثر تلك المواضع -إن لم يكن في كلها- أن يراد بها تعليم الناس كيف يدعون ويعترفون بالذنوب ويتوبون منها، وقد روي جمل من الأحاديث، وتأويل ما ينافي العصمة، من أرادها وقف عليها في أماكنها، وكتاب تنزيه الأنبياء والأئمة للسيد المرتضى شاف في ذلك، وقد رأيت في كتاب الزهد للحسين بن سعيد ما هذا لفظه:
القاسم بن محمد بن حبيب الخثعمي، قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنّا لنذنب ونسيء ثم نتوب إلى الله متاباً، قال الحسين بن سعيد: لا خلاف بين علمائنا في أنهم معصومون من كل قبيح مطلقاً، وأنهم كانوا عليهم السلام يسمّون ترك المندوب ذنباً بالنسبة إلى كمالهم عليهم السلام، انتهى.
وقد قال الشيخ بهاء الدين في كتاب الأربعين في شرح الحديث الثاني والعشرين في وصية أمير المؤمنين لولده الحسن عليهما السلام عند قوله فيها: وإنك على خطيئتك: »هذا لا يستقيم بظاهره على قواعد الإمامية القائلين بالعصمة، وقد ورد مثله في الأدعية المروية عن أئمتنا عليهم السلام، كما روي عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام انه كان يقول في سجدة الشكر: رب عصيتك بلساني، ولو شئت وعزتك لأخرستني، وعصيتك ببصري ولو شئت وعزتك لأكمهتني، وعصيتك بسمعي ولو شئت وعزتك لأصممتني، إلى آخر الدّعاء. وفي الصحيفة الكاملة المنسوبة إلى الإمام زين العابدين عليه السلام أشياء كثيرة من هذا القبيل، بل روي عن النبي صلى الله عليه وآله ما يشعر بذلك أيضا.
روى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب في باب الاستغفار من كتاب الكافي، عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام: »إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يتوب إلى الله عز وجل في كل يوم سبعين مرة«.
وروي العامة في صحاحهم أنه صلى الله عليه وآله قال: »إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة«، وأمثال ذلك من طرق الخاصة والعامة كثيرة«.
قال: »وأحسن ما تضمحل به هذه الشبهة، ما أفاده الفاضل الجليل بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي (قدس الله روحه) في كتاب كشف الغمة، قال رحمه الله:

إن الأنبياء والأئمة عليهم السلام تكون أوقاتهم مستغرقة بذكر الله، وقلوبهم مشغولة به، وخواطرهم متعلقة بالملأ الأعلى وهم أبداً في المراقبة، كما قال عليه السلام: أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فهم أبداً متوجهون إليه، ومقبلون بكليتهم عليه، فمتى انحطّوا عن تلك الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة إلى الاشتغال بالمأكل والمشرب والتفرغ إلى النكاح وغيره من المباحات عدّوه ذنباً واعتقدوه خطيئة، واستغفروا منه، ألا ترى أن بعض عبيد أبناء الدنيا لو قعد يأكل ويشرب وينكح وهو يعلم أنه بمرأى من سيده (1) ومسمع، لكان ملوماً عند الناس، ومقصراً فيما يجب عليه من خدمة سيده ومالكه، فما ظنك بسيد السادات ومالك الأملاك؟ وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله: إنه ليران على قلبي، وإني لأستغفر الله بالنهار سبعين مرة. وقوله: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

هذا ملخص كلامه، خصه الله بإكرامه، وقد اقتفى أثره القاضي الفاضل البيضاوي في شرح المصابيح (2) عند شرح قوله صلى الله عليه وآله: »إنه ليغان على قلبي، وإني لاستغفر الله في اليوم مئة مرة«، قال: قال: الغين لغة الغيم، وغان على قلبي كذا، أي غطّى عليه.

قال أبو عبيدة في معنى الحديث: أي يتغشى قلبي ما يلبسه«.

إلى أن قال: »[قال] القاضي: لما كان قلب النبي صلى الله عليه وآله أتم القلوب (3) صفاءً، وأكثرها ضياءً، وأعرقها عرفاناً، وكان صلى الله عليه وآله مع ذلك معنياً بتشريع الملة وتأسيس السنة، ميسِّراً غير معسّر، لم يكن له بد من النزول إلى الرخص والالتفات إلى حظوظ النفس مع ما كان ممتحناً به من أحكام البشرية، فكان إذا تعاطى شيئاً من ذلك، أسرعت كدورةٌ ما إلى القلب لكمال رقته وفرط نورانيته، فإن الشيء كلما كان أرق وأصفى كان ورود المكدرات عليه أبين وأهدى. وكان صلى الله عليه وآله إذا أحس بشيء من ذلك، عده على النفس ذنباً فاستغفر منه، انتهى كلامه ملخصاً«.


١ - فلان مرأيً ومسمع أي بحيث اراه واسمع. صراح اللغة.

٢ - غين تستثنى، يقال: منه اغنت وغانت الإبل مثل غامت دابته ويتركى ومنه غين على كذا أي غطى عليه، ومنه الحديث إنه ليغان على قلبي.

٣ - وقد بلغنا عن الأصمعي انه سئل عن هذا الحديث، فقال: للسائل عن قلب من تروي هذا؟ فقال: عن قلب النبي صلى الله عليه وآله، فقال الاصمعي: لو كان غير قلب النبي صلى الله عليه وآله لكنت أفسره لك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025

Logo

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025