فصل: يستحب اختيار الإنسان الدّعاء للمؤمن على الدّعاء لنفسه
رقم الموضوع: ٦٣
روى علي بن إبراهيم، عن أبيه، قال: رأيت عبد الله بن جندب في الموقف، فلم أرَ موقفاً أحسن من موقفه، ما زال مادّاً يديه إلى السماء ودموعه تسيل على خديه حتى تبلغ الأرض، فلما صدر الناس قلت له: يا أبا محمد، ما رأيت موقفاً قط أحسن من موقفك، قال: والله ما دعوت إلّا لإخواني، وذلك ان أبا الحسن موسى عليه السلام أخبرني: أن من دعا لأخيه بظهر الغيب، نودي من العرش: ولك مائة ألف ضعف، فكرهت أن أدَعَ مئة ألف ضعف مضمونة، لواحدة لا أدري تستجاب أم لا.
وعن يونس بن عبد الرحمن، قال: رأيت عبد الله بن جندب في الموقف، وكان أحد المجتهدين، فقلت له: قدّ رأى الله اجتهادك منذ اليوم، فقال: والله الذي لا إله إلّا هو، لقد وقفت موقفي هذا وأفضت ما سمعني الله دعوت لنفسي بحرف واحد؛ لأني سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: الداعي لأخيه المؤمن بظهر الغيب، ينادى من أعنان السماء: لك بكل واحد مئة ألف، فكرهت أن أدَعَ مئة ألف مضمونة، لواحدة لا أدري أجاب إليها أو لا.
وعن أبي خالد القماط، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: أسرع الدّعاء نجحاً للإجابة، دعا الأخ لأخيه بظهر الغيب، يبدأ بالدّعاء لأخيه، فيقول له ملك موكل: آمين، ولك مثلاه.
وعن ثوير، عن علي بن الحسين عليه السلام، قال: إن المؤمن يدعو لأخيه المؤمن بظهر الغيب، فتقول الملائكة: نِعمَ الأخ انت لأخيك، تدعو له بالخير وهو غائب عنك وتذكره بخير، قد أعطاك الله عز وجل مثلي ما سألت، وأثنى عليك مثلي ما أثنيت عليه، ولك الفضل عليه، [فإذا سمعوه يذكر أخاه بسوء ويدعو عليه، قالوا: بئس الأخ انت لأخيك، كف أيها المستتر على ذنوبه وعورته، وارجع على نفسك واحمد الله الذي ستر عليك، واعلم أن الله أعلم بعبده منك] (1).
وعن عبد الله بن جندب، قال: كنت في الموقف فلما أفضت، أتيت إبراهيم بن شعيب فسلمت عليه، وكان مصاباً بإحدى عينيه، وإذا عينه الصحيحة حمراء كأنها علقة دم، فقلت له: قد أصبت بإحدى عينيك، وأنا والله مشفق على الأخرى، فلو قصرت من البكاء قليلاً، قال: والله يا أبا محمد، ما دعوت لنفسي اليوم دعوة، قلت: فلمن دعوت؟ قال: دعوت لإخواني؛ لأني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من دعا لأخيه بظهر الغيب وكّل الله به ملكاً يقول: ولك مثلاه، فأردت أن اكون أنا ادعو لإخواني والملك يدعو لي، لأني في شك من دعائي لنفسي، ولست في شك من دعاء الملك لي.
وروي ابن أبي عمير، عن زيد النرسي، قال: كنت مع معاوية بن وهب في الموقف، فما رأيته دعا لنفسه بحرف، ورأيته يدعو لرجل رجل من الآفاق، ويسميهم ويسمي آبائهم حتى صدر الناس، فقلت: يا عم، لقد رأيت منك عجباً في هذا الموضع، وتفقدك رجلاً رجلاً، فقال: لا تعجب يا ابن أخي من هذا، فإني سمعت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، وكان سيد من مضى وسيد من بقى وإلّا صمتا أذن معاوية وعميت عيناه، ولا نالته شفاعة محمد إن لم أكن سمعت أبا عبد الله وهو يقول: من دعا لأخيه المؤمن بظهر الغيب، ناداه ملك من السماء الدنيا: يا عبد الله، ولك مائة ألف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء الثانية: يا عبد الله، ولك مئتا ألف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء الثالثة: : يا عبد الله، ولك ثلاثمائة ألف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء الرابعة: يا عبد الله، ولك أربعمائة ألف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء الخامسة: يا عبد الله، ولك خمسمائة ألف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء السادسة: يا عبد الله، ولك ستمائة ألف ضعف مما دعوت، وناداه ملك من السماء السابعة: يا عبد الله ولك سبعمائة ألف ضعف مما دعوت ثم يناديه الله عز وجل: أنا الغني الذي لا أفتقر، لك ألف ألف ضعف مما دعوت، فأي الخطرين أكثر يا ابن اخي؟ ما اخترته أنا لنفسي، أو ما تأمرني به؟
أقول: وتقدم ما يدل على ذلك.
١ - ما بين المعقوفين من المصدر.