دعائه (عليه السلام) في الاعتراف والتضرع
رقم الموضوع: ١٠٧
الْحَمْدُ لِلَّه وَلِيِّ الْحَمْدِ وأَهْلِه ومُنْتَهَاه ومَحَلِّه، وأَخْلَصَ مَنْ وَحَّدَه، واهْتَدَى مَنْ عَبَدَه، وفَازَ مَنْ أَطَاعَه، وأَمِنَ الْمُعْتَصِمُ بِه.
اللهُمَّ يَا ذَا الْجُودِ والْمَجْدِ، والثَّنَاءِ الْجَمِيلِ والْحَمْدِ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ مَنْ خَضَعَ لَكَ بِرَقَبَتِه، ورَغِمَ لَكَ أَنْفُه، وعَفَّرَ لَكَ وَجْهَه، وذَلَّلَ لَكَ نَفْسَه، وفَاضَتْ مِنْ خَوْفِكَ دُمُوعُه، وتَرَدَّدَتْ عَبْرَتُه، واعْتَرَفَ لَكَ بِذُنُوبِه، وفَضَحَتْه عِنْدَكَ خَطِيئَتُه، وشَانَتْه عِنْدَكَ جَرِيرَتُه، فضَعُفَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُوَّتُه، وقَلَّتْ حِيلَتُه، وانْقَطَعَتْ عَنْه أَسْبَابُ خَدَائِعِه، واضْمَحَلَّ عَنْه كُلُّ بَاطِلٍ، وأَلْجَأَتْه ذُنُوبُه إِلَى ذُلِّ مَقَامِه بَيْنَ يَدَيْكَ، وخُضُوعِه لَدَيْكَ وابْتِهَالِه إِلَيْكَ. أَسْأَلُكَ اللهُمَّ سُؤَالَ مَنْ هُوَ بِمَنْزِلَتِه أَرْغَبُ إِلَيْكَ كَرَغْبَتِه، وأَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ كَتَضَرُّعِه، وأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ كَأَشَدِّ ابْتِهَالِه.
اللهُمَّ فَارْحَمِ اسْتِكَانَةَ مَنْطِقِي، وذُلَّ مَقَامِي ومَجْلِسِي، وخُضُوعِي إِلَيْكَ بِرَقَبَتِي، أَسْأَلُكَ اللهُمَّ الْهُدَى مِنَ الضَّلَالَةِ، والْبَصِيرَةَ مِنَ الْعَمَى، والرُّشْدَ مِنَ الْغَوَايَةِ.
وأَسْأَلُكَ اللهُمَّ أَكْثَرَ الْحَمْدِ عِنْدَ الرَّخَاءِ، وأَجْمَلَ الصَّبْرِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وأَفْضَلَ الشُّكْرِ عِنْدَ مَوْضِعِ الشُّكْرِ، والتَّسْلِيمَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وأَسْأَلُكَ الْقُوَّةَ عند طَاعَتِكَ، والضَّعْفَ عَنْ مَعْصِيَتِكَ، والْهَرَبَ إِلَيْكَ مِنْكَ، والتَّقَرُّبَ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى، والتَّحَرِّيَ لِكُلِّ مَا يُرْضِيكَ عَنِّي فِي إِسْخَاطِ خَلْقِكَ الْتِمَاساً لِرِضَاكَ.
رَبِّ مَنْ أَرْجُوه إِنْ لَمْ تَرْحَمْنِي؟ أَوْ مَنْ يَعُودُ عَلَيَّ إِنْ أَقْصَيْتَنِي؟ أَوْ مَنْ يَنْفَعُنِي عَفْوُه إِنْ عَاقَبْتَنِي؟ أَوْ مَنْ آمُلُ عَطَايَاه إِنْ حَرَمْتَنِي؟ أَوْ مَنْ يَمْلِكُ كَرَامَتِي إِنْ أَهَنْتَنِي؟ أَوْ مَنْ يَضُرُّنِي هَوَانُه إِنْ أَكْرَمْتَنِي؟
رَبِّ ومَا أَحْسَنَ بَلَاءَكَ عِنْدِي، وأَظْهَرَ نَعْمَاءَكَ عَلَيَّ، كَثُرَتْ عَلَيَّ مِنْكَ النِّعَمُ فَمَا أُحْصِيهَا، وقَلَّ مِنِّيَ الشُّكْرُ فِيمَا أَوْلَيْتَنِيه، فَبَطِرْتُ بِالنِّعَمِ وتَعَرَّضْتُ لِلنِّقَمِ، وسَهَوْتُ عَنِ الذِّكْرِ، ورَكِبْتُ الْجَهْلَ بَعْدَ الْعِلْمِ، وجُزْتُ مِنَ الْعَدْلِ إِلَى الظُّلْمِ، وجَاوَزْتُ الْبِرَّ إِلَى الإِثْمِ، وصِرْتُ إِلَى الْهَرَبِ مِنَ الْخَوْفِ والْحُزْنِ.
فَمَا أَصْغَرَ حَسَنَاتِي وأَقَلَّهَا فِي كَثْرَةِ ذُنُوبِي، وأَعْظَمَهَا عَلَى قَدْرِ صِغَرِ خَلْقِي وضَعْفِ رُكْنِي، ومَا أَطْوَلَ أَمَلِي فِي قِصَرِ أَجَلِي، ومَا أَقْبَحَ سَرِيرَتِي في عَلَانِيَتِي.
رَبِّ لَا حُجَّةَ لِي ان احْتَججت، ولَا عُذْرَ لِي إِنِ اعْتَذَرْتُ، ولَا شُكْرَ عِنْدِي إِنِ ابْتُلِيتُ وأُولِيتُ إِنْ لَمْ تُعِنِّي عَلَى شُكْرِ مَا أُولِيتُ، ومَا أَخَفَّ مِيزَانِي غَداً إِنْ لَمْ تُرَجِّحْه، وأَزَلَّ لِسَانِي إِنْ لَمْ تُثَبِّتْه، وأَسْوَدَ وَجْهِي إِنْ لَمْ تُبَيِّضْه.
رَبِّ كَيْفَ لِي بِذُنُوبِيَ الَّتِي سَلَفَتْ مِنِّي وقَدْ هَدَّتْ لَهَا أَرْكَانِي؟ رَبِّ كَيْفَ أَطْلُبُ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وأَبْكِي عَلَى نفسي فِيهَا، ولَا أَبْكِي وتَشْتَدُّ جرأتِي عَلَى عِصْيَانِي وتَفْرِيطِي؟
رَبِّ دَعَتْنِي دَوَاعِي الدُّنْيَا فَأَجَبْتُهَا سَرِيعاً، ورَكَنْتُ [وكنت] إِلَيْهَا طَائِعاً، ودَعَتْنِي دَوَاعِي الآخِرَةِ فَتَثَبَّتُ عَنْهَا، وأَبْطَأْتُ فِي الإِجَابَةِ والْمُسَارَعَةِ إِلَيْهَا، كَمَا سَارَعْتُ إِلَى دَوَاعِي الدُّنْيَا وحُطَامِهَا الْهَامِدِ، وهَشِيمِهَا الْبَائِدِ، وسَرَابِهَا الذَّاهِبِ.
رَبِّ خَوَّفْتَنِي وشَوَّقْتَنِي، واحْتَجَجْتَ عَلَيَّ، وكَفَلْتَ لِي بِرِزْقِي، فَأَمِنْتُ خَوْفَكَ، وتَثَبَّطْتُ عَنْ تَشْوِيقِكَ، ولَمْ أَتَّكِلْ عَلَى ضَمَانِكَ وتَهَاوَنْتُ بِاحْتِجَاجِكَ.
اللهُمَّ فَاجْعَلْ أَمْنِي مِنْكَ فِي هَذِه الدُّنْيَا خَوْفاً، وحَوِّلْ تَثَبُّطِي شَوْقاً، وتَهَاوُنِي بِحُجَّتِكَ فَرَقاً مِنْكَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِمَا قَسَمْتَ لِي مِنْ رِزْقِكَ، يَا كَرِيمُ يَا كَرِيمُ.
أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ رِضَاكَ عِنْدَ السُّخْطَةِ، والْفُرْجَةَ عِنْدَ الْكُرْبَةِ، والنُّورَ عِنْدَ الظُّلْمَةِ، والْبَصِيرَةَ عِنْدَ تَشَبُّه الْفِتْنَةِ.
رَبِّ واجْعَلْ جُنَّتِي مِنْ خَطَايَايَ حَصِينَةً، ودَرَجَاتِي فِي الْجِنَانِ رَفِيعَةً، وأَعْمَالِي كُلَّهَا مُتَقَبَّلَةً، وحَسَنَاتِي مُضَاعَفَةً زَاكِيَةً، أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتَنِ كُلِّهَا، مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ، ومِنْ رَفِيعِ المَطْعَمِ والْمَشْرَبِ، ومِنْ شَرِّ مَا أَعْلَمُ ومِنْ شَرِّ مَا لَا أَعْلَمُ، وأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَشْتَرِيَ الْجَهْلَ بِالْعِلْمِ، والْجَفَاءَ بِالْحِلْمِ، والْجَوْرَ بِالْعَدْلِ، والْقَطِيعَةَ بِالْبِرِّ، والْجَزَعَ بِالصَّبْرِ، والْهُدَى بِالضَّلَالَةِ، والْكُفْرَ بِالإِيمَانِ، آمين ربَّ العالمين.