دعائه (عليه السلام) بعد العصر يوم الجمعة
رقم الموضوع: ١٢٩
اللهُمَّ إنَّكَ أنهَجتَ سَبيلَ [سُبل] الدَّلالَةِ عَلَيكَ بِأَعلامِ الهِدايَةِ بِمَنِّكَ عَلى خَلقِكَ، وأَقَمتَ لَهُم مَنارَ القَصدِ إلى طَريقِ أمرِكَ بِمَعادِنِ لُطفِكَ، وتَوَلَّيتَ أسبابَ الإِنابَةِ إلَيكَ بِمُستَوضِحاتٍ مِن حُجَجِكَ، قُدرَةً مِنكَ عَلَى استِخلاصِ أفاضِلِ عِبادِكَ، وحَضّاً لَهُم عَلى أداءِ مَضمونِ شُكرِكَ، وجَعَلتَ تِلكَ الأَسبابَ بِخَصائِصَ مِن أهلِ الإِحسانِ عِندَكَ، وذَوِي الحباءِ لَدَيكَ ؛ تَفضيلًا لِأَهلِ المَنازِلِ مِنكَ، وتَعليماً أنَّ ما أمَرتَ بِهِ مِن ذلِكَ مُبَرَّأٌ مِنَ الحَولِ وَالقُوَّةِ إلّا بِكَ، وشاهِداً في إمضاءِ الحُجَّةِ عَلى عَدلِكَ، وقَوامِ وُجوبِ حُكمِكَ.
اللهُمَّ وقَدِ استَشفَعتُ المَعرِفَةَ بِذلِكَ إلَيكَ، ووَثِقتُ بِفَضيلَتِها عِندَكَ، وقَدَّمتُ الثِّقَةَ بِكَ وَسيلَةً فِي استِنجازِ مَوعودِكَ، وَالأَخذِ بِصالِحِ ما نَدَبتَ إلَيهِ عِبادَكَ، وَانتِجاعاً بِها مَحَلَّ تَصديقِكَ، وَالإِنصاتَ إلى فَهمِ غَباوَةِ الفَطِنِ عَن تَوحيدِكَ؛ عِلماً مِنّي بِعَواقِبِ الخِيَرَةِ في ذلِكَ، وَاستِرشاداً لِبُرهانِ آياتِكَ، وَاعتَمَدتُكَ حِرزاً واقِياً من دونك، وَاستَنجَدتُ الاعتِصامَ بِكَ كافِياً مِن أسبابِ خَلقِكَ، فَأَرِني مُبَشِّراتٍ مِن إجابَتِكَ تَفي بِحُسنِ الظَّنِّ بِكَ، وتَنفي عَوارِضَ التُّهَمِ لِقَضائِكَ، فَإِنَّهُ ضَمانُكَ لِلمُجتَدينَ ووَفاؤُكَ لِلرّاغِبينَ إلَيكَ.
اللهُمَّ ولا أذِلَّنَّ عَلَى التَّعَزز [التعذر] بِكَ، ولا أستَقفِيَنَّ نَهجَ الضَّلالَةِ عَنكَ، وقَد أمَّتكَ رَكائِبُ طَلِبَتي، وانيخت نَوازِعُ الآمالِ مِنّي إلَيكَ، وناجاكَ عَزمُ البصائرِ لي فيكَ.
اللهُمَّ ولا اُسلَبَنَّ عَوائِدَ مِنَنِكَ غَيرَ مُتَوَسِّماتٍ [متوسعات] إلى غَيرِكَ.
اللهُمَّ وأوجد لي [واوجدني] وُصلَةَ الانقِطاعِ إلَيكَ، وَاصدُد قُوى سَبَبي [سيبي] عَن سِواكَ، حَتّى أفِرَّ عَن [حتى افرع مصارع] مَصارِعِ الهَلَكاتِ إلَيكَ، وأَحُثَّ [واحب] الرِّحلَةَ إلى إيثارِكَ بِاستِظهارِ اليَقينِ فيكَ، فَإِنَّهُ لا عُذرَ لِمَن جَهِلَكَ بَعدَ استِعلاءِ الثَّناءِ عَلَيكَ، ولا حُجَّةَ لِمَنِ اختَزَلَ عَن طريقِ العِلمِ بِكَ مَعَ إزاحَةِ اليَقينِ عن مواضع الشكوك فيكَ، ولا يَبلُغُ إلى قضائِكِ القِسَمِ إلّا بِتَأييدِكَ وتَسديدِكَ، فَتَوَلَّني بِتَأييدٍ مِن عَونِكَ، وكافِني عَلَيهِ بِجَزيلِ عَطائِكَ.
اللهُمَّ اثني عَلَيكَ أحسَنَ الثَّناءِ؛ لِأَنَّ بَلاءَكَ عِندي أحسَنُ البَلاءِ، أوقَرْتَنِي نِعَماً وأَوقَرتُ نَفسي ذُنوباً، كَم مِن نِعمَةٍ أسبَغتَها عَلَيَّ لَم اؤَدِّ شُكرَها؟! وكَم مِن خَطيئَةٍ أحصَيتَها عَلَيَّ أستَحيي مِن ذِكرِها، وأَخافُ جَزاءَها؟! إن تَعفُ لي عَنها فَأَهلُ ذلِكَ أنتَ، وإن تُعاقِبني عَلَيها فَأَهلُ ذلِكَ أنَا.
اللهُمَّ فَارحَم نِدائي إذا نادَيتُكَ، وأَقبِل عَلَيَّ إذا ناجَيتُكَ، فَإِنّي معتَرِفُ لَكَ بِذُنوبي، وأَذكُرُ لَكَ حاجَتي، وأَشكو إلَيكَ مَسكَنَتي وفاقَتي وقَسوَةَ قَلبي ومَيلَ نَفسي، فَإِنَّكَ قُلتَ:فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ، وها أنَا ذا يا إلهي قَدِ استَجَرتُ بِكَ، وقَعَدتُ بَينَ يَدَيكَ مُستَكيناً، مُتَضَرِّعاً إلَيكَ، راجِياً لِما عِندَكَ، تَراني وتَعلَمُ ما في نَفسي، وتَسمَعُ كَلامي، وتَعرِفُ حاجَتي ومسألتي [ومسكنتي] وحالي ومُنقَلَبي ومَثوايَ، وما اريدُ أن أبتَدِئَ فيهِ من مَنطِقي، وَالَّذي أرجو مِنكَ في عاقِبَةِ أمري، وأَنتَ مُحصٍ لِما اريدُ التَّفَوُّهَ بِهِ مِن مَقالَتي.
جَرَت [جرت عليه] مَقاديرُكَ بِأَسبابي وما يَكونُ مِنّي في سَريرَتي وعَلانِيَتي، وأَنتَ مُتِمٌّ لي ما أخَذتَ عَلَيهِ ميثاقي، وبِيَدِكَ لا بِيَدِ غَيرِكَ زِيادَتي ونُقصاني.
فَأَحَقُّ ما اقَدِّمُ إلَيكَ قَبلَ الذِكرِ لحاجَتي، وَالتَّفَوُّهِ بِطَلِبَتي، شَهادَتي بِوَحدانِيَّتِكَ، وإقراري بِرُبوبِيَّتِكَ الَّتي ضَلَّت عَنهَا الآراءُ، وتاهَت فيهَا العُقولُ، وقَصُرَت دونَهَا الأَوهامُ، وكَلَّت عَنهَا الأَحلامُ، وَانقَطَعَ دونَ كُنهِ مَعرِفَتِها مَنطِقُ الخَلائِقِ، وكَلَّتِ الأَلسُنُ عَن غايَةِ وَصفِها، فَلَيسَ لِأَحَدٍ أن يَبلُغَ شَيئاً مِن وَصفِكَ، ويَعرِفَ شَيئاً مِن نَعمتِكَ إلّا ما حَدَّدتَهُ ووَصَفتَهُ ووَقَّفتَهُ عَلَيهِ، وبَلَّغتَهُ إيّاهُ، فَأَنَا مُقِرٌّ بِأَنّي لا أبلُغُ ما أنتَ أهلُهُ مِن تَعظيمِ جَلالِكَ، وتَقديسِ مَجدِكَ، وتَمجيدِكَ وكَرَمِكَ، وَالثَّناءِ عَلَيكَ، وَالمَدحِ لَكَ، وَالذِّكرِ لِآلائِكَ، وَالحَمدِ لَكَ عَلى بَلائِكَ، وَالشُّكرِ لَكَ عَلى نَعمائِكَ، وذلِكَ ما تَكِلُّ الأَلسُنُ عَن صِفَتِهِ، وتَعجِزُ الأَبدانُ عَن أدنى شُكرِهِ، وإقراري لَكَ بِمَا احتَطَبتُ [اختطبت] عَلى نَفسي، مِن موبِقاتِ الذُّنوبِ الَّتي قد أوبَقَتني، وأَخلَقَت عِندَكَ وَجهي؛ ولِكَثيرِ خَطيئَتي وعَظيمِ جُرمي هَرَبتُ إلَيكَ رَبّي، وجَلَستُ بَينَ يَدَيكَ مَولايَ، وتَضَرَّعتُ إلَيكَ سَيِّدي؛ لِأُقِرَّ لَكَ يا ربِّ بِوَحدانِيَّتِكَ، وبِوُجودِ رُبوبِيَّتِكَ، واثنِيَ عَلَيكَ بِما أثنَيتَ عَلى نَفسِكَ، وأَصِفَكَ بِما يَليقُ بِكَ مِن صِفاتِكَ، وأَذكُرَ ما أنعَمتَ بِهِ عَلَيَّ مِن مَعرِفَتِكَ، وأَعتَرِفَ لَكَ بِذُنوبي وأَستَغفِرَكَ لِخَطيئَتي، وأَسأَلَكَ التَّوبَةَ مِنها إلَيكَ، وَالعَودَ مِنكَ عَلَيَّ بِالمَغفِرَةِ لَها ؛ فَإِنَّكَ قُلتَ :
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، وقُلتَ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ.
إلهي! إلَيكَ اعتَمَدتُ لِقَضاءِ حاجَتي، وبِكَ أنزَلتُ اليَومَ فَقري وفاقَتِي؛ التِماساً مِنّي لِرَحمَتِكَ، ورَجاءً مِنّي لِعَفوِكَ، فَإِنّي لِرَحمَتِكَ وعَفوِكَ أرجى مِنّي لِعَمَلي، ورَحمَتُكَ وعَفوُكَ أوسَعُ مِن ذُنوبي، فَتَوَلَّ اليَومَ قَضاءَ حاجَتي بِقُدرَتِكَ عَلى ذلِكَ وتَيسيرِ ذلِكَ عَلَيكَ، فَإِنّي لَم أرَ [لم انل] خَيراً قَطُّ إلّا مِنكَ، ولَم يَصرِف عَنّي سواقط أحَدٌ غَيرُكَ، فَارحَمني سَيِّدي يَومَ يُفرِدُنِي النّاسُ في حُفرَتي، وافضي إلَيكَ بِعَمَلي، فقَد قُلتَ سَيِّدي: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ.
أجَل! وعِزَّتِكَ سَيِّدي، لَنِعمَ المُجيبُ أنتَ، ولَنِعمَ المَدعُوُّ أنتَ، ولَنِعمَ الرَّبُّ أنتَ، ولَنِعمَ القادِرُ أنتَ، ولَنِعمَ الخالِقُ أنتَ، ولَنِعمَ المُبدِئُ أنتَ ولَنِعمَ المُعيدُ أنتَ، ولَنِعمَ المُستَغاثُ أنتَ، ولَنِعمَ الصَّريخُ أنتَ.
فَأَسأَلُكَ يا صَريخَ المَكروبينَ، ويا غِياثَ المُستَغيثينَ، ويا وَلِيَّ المُؤمِنينَ، وَالفَعّالَ لِما يُريدُ، يا كَريمُ يا كَريمُ، أن تُكرِمَني في مَقامي هذا وفيما بَعدَهُ كَرامَةً لا تُهينُني بَعدَها أبَداً، وأَن تَجعَلَ أفضَلَ جائِزَتِكَ اليَومَ فَكاكَ رَقَبَتي مِنَ النّارِ وَالفَوزَ بِالجَنَّةِ، وأَن تَصرِفَ عَنّي شَرَّ كُلِّ جَبّارٍ عَنيدٍ، وشَرَّ كُلِّ شَيطانٍ مَريدٍ، وشَرَّ كُلِّ ضَعيفٍ مِن خَلقِكَ أو شَديدٍ، وشَرَّ كُلِّ قَريبٍ أو بَعيدٍ، وشَرَّ كُلِّ مَن ذَرَأتَهُ وبَرَأتَهُ وأَنشَأتَهُ وَابتَدَعتَهُ، ومِن شَرِّ الصَّواعِقِ وَالبَرَدِ وَالرّيحِ وَالمَطَرِ، ومِن شَرِّ كُلِّ ذي شَرٍّ، ومِن شَرِّ كُلِّ دابَّةٍ صَغيرَةٍ أو كَبيرَةٍ بِاللَّيلِ وَالنَّهارِ أنتَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إنَّ رَبّي عَلى صِراطٍ مُستَقيمٍ.