دعائه (عليه السلام) بعد ركعتي الفجر
رقم الموضوع: ٥٠
كما عثرنا عليه أولاً في البحار نقلاً عن جنة الأمان وهو المعروف صباح الكفعمي، ثم وجدناه في الصّحيفة الثالثة نقلاً عن الكتاب المذكور، ولكن الذي يقوى في النظر وقوع الاشتباه في نسبته إلى السجاد عليه السلام، وأنه من أدعية النبي صلى الله عليه وآله، وأدعية أمير المؤمنين عليه السلام، فإن الذي وجدناه في مصباح الكفعمي في خمس نسخ، نسبته الى أمير المؤمنين عليه السلام، وفي حاشيته ورسالته المسماة بالجنة الواقية أنه من أدعية الرسول صلى الله عليه وآله كما ستعرف.
وكأن الذي أوقع في الاشتباه المذكور أن الكفعمي في مصباحه نقل أولاً دعاء نسبه الى أمير المؤمنين عليه السلام، وذكر بعده دعاء نسبه إلى زين العابدين عليه السلام، وقال بعده: (ثم قل ما كان عليٌ (عليه السلام) يقوله في سحر كل ليلة بعقب ركعتي الفجر)، وذكر الدّعاء الذي كلامنا فيه، لكن في بعض النّسخ كما في نسختين من الخمسة المشار إليها كان في الأصل: (ثم قل ما كان عليه السلام..) الخ، بدون لفظة (علي) ثم صححتها بذكرها، فالظاهر أن نسخة الناسب كانت بدون لفظة (علي)، فيكون ظاهرها رجوع الضمير الى السجاد (عليه السلام)، ويؤيد ذلك ذكر السماهيجي المعاصر لصاحب الصّحيفة الثالثة له في ادعية الصّحيفة العلوية علي ماحكي عنه.
ثم أنه في البحار بعد ذكر الدّعاء والزيادة الآتية التي بعده، قال: ثم قال ـ يعني صاحب جنة الأمان ـ: وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أن الله يغفر لصاحب هذا الاستغفار ذنوبه ولو كانت ملأ السماوات السبع والأرضين السبع، وثقل الجبال وعدد الأمطار، وما في البر والبحر.
وكتب له بعدد ذلك حسنات، ولا يقوله عبد في يومه أو ليلته ويموت إلّا دخل الجنة ولم يفتقر أبداً وهو:
اللهم إني أستغفرك مما تبت اليك منه الخ، انتهى. يعني إلى آخر الدّعاء الآتي، ولا يخفى أن هذا الذي نقله في فضله لم يذكره الكفعمي في جنة الأمان المعروف بالمصباح الذي صرح صاحب البحار أنه نقل منه، وإنما ذكره في حواشيه.
نعم، للكفعمي رسالة مختصرة في الدّعاء وما يشبهه، تحتوي على أربعين فصلاً سماها (الجنة الواقية والجنة الباقية) ونسبها إليه صاحب البلغة في الرجال، فيما حكي عنه تشبه أوائلها أوائل جنة الأمان، رأيت منها نسختين كتبت أحداهما سنة اثنتين وألف، والأخرى عتيقه جداً، ذكر فيها هذا الدّعاء مجرداً عن الزيادة الآتية بعده، ولكن نسبه الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر فضله بالألفاظ المتقدمة عن البحار حرفا فحرفاً.
ثم أنه لا يخفى أن ما نقله صاحب البحار في فضله القاضي بأنه من أدعية الرسول صلى الله عليه وآله، لا ينافي نسبته الى السجاد عليه السلام لو وجد ما يدل عليها، لإمكان الجمع والله العالم، والدّعاء هو هذا:
اللهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ ممَا [لما] تُبْتُ إِلَيْكَ مِنْهُ ثُمَّ عُدْتُ فِيهِ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا أَرَدْتُ بِهِ وَجْهَكَ فَخَالَطَني فيه مَا لَيْسَ لَكَ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِلنِّعَمِ الَّتي مَنَنتَ بِها عَلَيَّ فَقَويتُ بِها عَلى معاصيكَ، أستَغفِرُ اللهَ الَّذي لا إلهَ إلّا هُوَ الحَيُّ القَيّومُ، عالِمُ الغَيبِ وَالشَّهادَةِ، الرَّحمنُ لرَّحيمُ، لِكُلِّ ذَنبٍ أذنَبتُهُ، ولِكُلِّ مَعصِيَةٍ ارتَكَبتُها.
اللهم ارزُقني عَقلًا كامِلًا، وعَزماً ثاقِباً، ولُبّاً راجِحاً، وقَلباً زَكِيّاً [ذكياً] ، وعِلماً كَثيراً، وأَدَباً بارِعاً، وَاجعَل ذلِكَ كُلَّهُ لي، ولا تَجعَلهُ عَلَيَّ، بِرَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرّاحِمينَ.
وألحق به في الصّحيفة الثالثة، ثم يقول خمساً:
أستغفرُ اللهَ الَّذِي لاَ إلَهَ إلّا هو الحي القيوم وأتوب إليه.
أقول: هذه الزيادة لم يعلم أنها من تتمة الدّعاء السابق حتى تذكر معه، مع فرض تسليم أنه للسجاد عليه السلام، بل يمكن كونها دعاء مستقلاً، فإنها موجودة في مصباح الكفعمي الذي نقل منه صاحب الصّحيفة الثالثة بعد هذا الدّعاء بهذه الصورة: ثم قل خمساً: استغفر الله الخ، وذكر الكفعمي في الحاشية عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه قال: من قال كل يوم خمساً: استغفر الله الخ غفر الله ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر، قال: ذكر ذلك الشّيخ ابن أبي شيبه في كتابه، انتهى.
وهــذا لا يدل على أنها من تتمة الدّعاء السابق، بل لعل ظاهره أنها دعاء مستقل، وحين نسب الكفعمي الاستغفار الى النبي صلى الله عليه وآله في الرسالة المتقدم ذكرها، لم يذكر معه هذه الزيادة، فلو سلم دلالة كلام الكفعمي في المصباح على أن الدّعاء السابق للسجاد عليه السلام، فلا دلالة فيه على أن هذه الزيادة له عليه السلام إن لم تدل حاشيته على خلافه، والله العالم.