دعائه (عليه السلام) في السَحَر

رقم الموضوع: ٤٦
كما عثرنا عليه أولاً في أكثر كتب المناقب مروياً عن طاووس اليماني، ثم وجدناه في الصّحيفة الرابعة، قال: كما رواه ابن شهر آشوب في مناقبه، عن طاووس اليماني الفقيه من العامة، أنه قال: رأيت علي بن الحسين عليهما السلام يطوف من العشاء الى السّحر، ويتعبد فلما لم يرَ أحداً رمق السّماء بطرفه، وقال:
إِلهِي غَارَتْ نُجُوْمُ سَمَاوَاتِكَ، وَهَجَعَتْ عُيُونُ أَنامِكَ، وأَبْوَابُكَ مُفَتَّحَاتٌ للِسَائِلِينَ، جِئْتُكَ لِتَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي وَتُرِينِي وَجْهَ جَدِّي مُحمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ فِي عَرَصَاتِ القِيَامَةِ، ثم بكى وقال: وَعَزتِكَ وَجَلَالِكَ، مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِي مَخَالَفَتَكَ، وَمَا عَصِيتُكَ إِذْ عَصَيْتُكَ وَأَنَا بِكَ شَاكٌ، وَلَا بِنَكالِكَ جَاهِلٌ، وَلَا لِعَقوَبتِكَ مُتَعَرِّضٌ، وَلَكِنْ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، وَأَعَانَنِي عَلَى ذَلِكَ سَتْرُكَ المُرْخَى بِهِ عَلَيَّ، فَأَنَا الآنَ مِنْ عَذَابِكَ مَن يَسْتَنْقِذُنِي؟ وَبِحَبْلِ مَن اعْتَصِمُ إنْ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِي؟ فَوَاسوأتاه غَدَاً مِنَ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْكَ إِذَا قِيلَ لِلْمُخِفِّينَ: جُوْزُوا، وَلِلْمُثْقِلِينَ حُطُّوا، أَمَعَ المُخِفِّينَ أَجُوْزُ؟ أَمْ مَعَ المُثْقِلِينَ أَحُطُّ؟
وَيْلِي، كُلَّمَا طَاَلَ عُمْرِي كَثُرَتْ خَطَايَايَ وَلَمْ أَتُبْ، أَمَا آنَ لِي أَنْ أَسْتَحِي مِنْ رَبِّي؟! ثم بكى وأنشأ يقول شعراً:
أَتُحْرِقُنِي بِالنَّارِ يَا غَايَةَ اَلْمُنَى ؟ * فَأَيْنَ رَجَائِي ، ثُمَّ أَيْنَ مَحَبَّتِي؟
أَتَيْتُ بِأَعْمَالٍ قِبَاحٍ رَدِيَّةٍ وَمَا * فِي اَلْوَرَى خَلْقٌ جَنَى كَجِنَايَتِي
ثم بكى وقال:
سُبْحَانَكَ تُعْصَى كَأَنَّكَ لا تُرَى، وَتَعْلَمُ كَأَنَّكَ لمْ تُعْصَ، تَتَوَدَّدُ إِلَى خَلْقِكَ بِحُسْنِ الصُّنْعِ [الصنيع] كَأَنَّ بِكَ الحَاجَةَ إِلَيْهِمْ، وَأَنتَ يَا سَيِّدِي الْغَنيُ عَنْهُمْ.
ثم خرَّ الى الأرض ساجداً، قال: فدنوت منه وشلت رأسه ووضعته على ركبتي، وبكيت حتى جرت دموعي على خده، فاستوى جالساً، وقال: من الذي اشغلني عن ذكر ربي، فقلت: أنا طاووس يا ابن رسول الله، ما هذا الجزع والفزع؟! ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون خاطئون، أبوك الحسين بن علي، أمك فاطمة الزهراء، جدك رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فالتفت إلي وقال: هيهات هيهات يا طاووس، دع عني حديث أبي وأمي وجدي، خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قرشياً، أما سمعت قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ؟ والله لا ينفعك غداً إلّا تقدمة تقدمها من عمل صالح.
أقول: لا يخفى أن البيتين المذكورين موجودان في ضمن أبيات المناجاة التي في الصّحيفة الثانية، مروية عن ابن طاووس اليماني، وسيأتي إن شاء الله تعالى -في دعائه عليه السلام في المناجاة شعراً وهو متعلق بأستار الكعبة- أبياتٌ تتضمن هذين البيتين أيضاً.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025

Logo

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025