دعائه (عليه السلام) في جوامع مطالب الّدنيا والآخرة

رقم الموضوع: ٨
كما وجدناه أولاً في الصّحيفة الثّالثة، قال: (على ما رواه بعض علمائنا في كتاب الدّعاء المشار اليه أيضاً) انتهى.
وكان قد تقدم في كلامه ذكر مصباح ابن باقي ومصباح الكفعمي وهامش كتاب منهاج الفلاح، ثم وجدناه في البحار نقلاً عن الكتاب العتيق، المراد به ـ كما في الصّحيفة الثالثة ـ مجمع الدّعوات للتّلعكبري، ويغلب على الظن أنه هو المراد بكتاب الدّعاء الذي في عبارة صاحب الصّحيفة الثالثة، وإن لم يكن أحد الثلاثة المذكورة المتقدمة في كلامه، فكأنّ الكلام كان متصلاً بما ذكر في ذلك الكتاب، ثم انفصل بغير إصلاح لاختلال ترتيب تلك الصّحيفة، كما نبهنا عليه غير مرة، وكونها أشبه بمسودة غير تامة، والدّعاء هو هذا:
الَلَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أُمُوْرَاً تَفَضَّلْتَ بِهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيْرٍ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ مِنْهُمْ لَكَ، فَإِنْ تَجُدْ بِهَا عَلَيَّ فَمِنَّةٌ مِنْ مِنَنِكَ، وَإلَّا تَفْعَلْ فَلَسْتَ مِمَّنْ يُشَارَكُ فِي حُكْمِهِ، وَلَا يُؤَامَرُ فِي خَلْقِهِ، فَإِنْ تَكُ رَاضِيَاً فَأَحَقُّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ مَا سَأَلَكَ مَنْ رَضَيْتَ عَنْهُ، مَعَ هَوَانِ مَا قَصَدْتُ فِيْهِ إِليْكَ عَلَيْكَ، وَإِنْ تَكُ سَاخِطَاً فَأَحَقُّ مَنْ عَفَا أَنْتَ، وَأَكْرَمُ مَنْ غَفَرُ وَعَادَ بِفَضْلِهِ عَلَى عَبْدِهِ، فَأَصْلَحَ مِنْهُ فَاسِدَاً، وَقَوَّمَ مِنْهُ إِوَدَاً، وَإِنْ أَخَذْتَنِيْ بِقَبِيْحِ عَمَلِيْ فَوَاحِدٌ مِنْ جُرْمِيْ يُحِلُّ عَذَابَكَ بِيْ، وَمَنْ أَنَا فِيْ خَلْقِكَ يَا مَوِلَايَ وَسَيِّدِيْ؟!

فَوَعِزَتِكَ، مَا تُزِيِّنُ مُلْكَكَ حَسَنَاتِيْ وَلَا تُقَبِّحُهُ سَيِّئَاتِيْ، وَلَا يُنْقِصُ خَزَائِنَكَ غِنَايَ، وَلَا َيزِيْدُ فِيْهَا فَقْرِيْ، وَمَا صَلَاحِيْ وَفَسَادِيْ إِلَّا إِلِيْكَ، فَإِنْ صَيَّرْتَنِيْ صَالِحَاً كُنْتُ صَالِحَاً، وَإِنْ جَعَلْتَنِيْ فَاسِدَاً لَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَلَاحِيْ سِوَاكَ، فَمَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ سَيّءٍ أَتَيْتُهُ، فَعَلَى عِلْمٍ مِنْكَ (١) بَأَنَّكَ تَرَانِيْ، وَأَنَّكَ غَيْرُ غَافِلٍ عَنِّيْ، مُصَدِّقٌ مِنْكَ بَالوَعِيْدِ لِيْ وَلِمَنْ كَانَ فِيْ مِثْلِ حَالِيْ، وَاثِقٌ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكَ بَالصَّفْحِ الكَرِيْمِ، وَالعَفْوِ القَدِيْمِ، وَالرَّحْمَةِ الوَاسِعَةِ، فَجَرَّأَنِيْ عَلَى مَعْصِيَتِكَ مَا أَذَقْتَنِيْ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَوُثُوْبِيْ عَلَى مَحَارِمِكَ مَا رَأَيْتُ مِنْ عَفْوِكَ، وَلَوْ خِفْتُ تَعْجِيْلَ نِقْمَتِكَ لأَخَذْتُ حِذْرِيْ مِنْكِ كَمَا أَخَذْتُهُ مِنْ غَيْرِكَ مِمَّنْ هُوَ دُوْنَكَ، مِمَّنْ خِفْتُ سَطْوَتَهُ فَاجْتَنَبْتُ نَاحِيَتَهُ، وَمَا تَوْفِيْقِيْ إِلَّا بِكَ، فَلَا تَكِلْنِيْ إِلَى نَفْسِيْ بِرَحْمَتِكَ فَأعْجَزَ عَنْهَا، وَلَا إِلَى سِوَاكَ فَيَخْذُلَنِيْ، فَقَدْ سَأَلتُكَ مِنْ فَضْلِكَ مَا لَا أَسْتَحِقُّهُ بِعَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمْتُهُ، وَلَا آيَسُ مِنْهُ لِذَنْبٍ عَظِيْمٍ رَكِبْتُهُ، بَلْ لِقَدِيْمِ الرَّجَاءِ فِيْكَ، وَعَظِيْمِ الطَّمَعِ مَنْكَ الَّذِيْ أَوْجَبْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ مِنْ الرَّحْمَةِ، فَالأَمْرُ لَكَ وَحَدَكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ، وَالخَلْقُ عِيَالُكَ، وَكُلُّ شَيٍءٍ خَاضِعٌ لَكَ، مُلْكُكَ كَبِيْرٌ، وَعَدْلُكَ قَدِيْمٌ، وَعَطَاؤُكَ جَزِيْلٌ، وَعَرْشُكَ كَرِيْمٌ، وَثَنَاؤكَ رَفِيْعٌ، وَذِكْرُكَ أَحْسَنُ، وَرَجَاؤُكَ أَمْنَعُ وَأَحْكَمُ، وَحُكْمُكَ نَافِذٌ، وَعِلْمُكَ جَمٌّ، وَأَنْتَ أَوْلٌ آخِرٌ ظَاهِرٌ بَاطِنٌ بِكُلِّ شَيٍء عَلِيْمٌ، عِبَادُكَ جَمِيْعَاً إِلَيْكَ فُقَرَاءٌ، وَأَنَا أَفْقَرُهُمْ إِلَيْكَ، لِذَنْبٍ تَغْفِرُهُ، وَلِفَقْرٍ تَجْبُرُهُ، وَلِعَائِلَةٍ تُغْنِيْهَا، وَلِعَوْرَةٍ تَسْتُرُهَا، وَلِخَلَّةٍ تَسُدُّهَا، وَلِسِّيَئةٍ تَتَجَاوَزُ عَنْهَا، وَلِفَسَادٍ تُصْلِحُهُ، وَلِعَمَلٍ صَالِحٍ تَتَقَبَّلُهُ، وَلِكَلِامٍ طَيِّبٍ تَرْفَعُهُ، وَلِبَدَنٍ تُعَافِيْهِ.

الَلَّهُمَّ إِنَّكَ شَوَقْتَنِيْ إِلَيْكَ، وَرَغَّبْتَنِيْ فِيْمَا لَدِيْكَ، وَتَعَطَّفْتَنِيْ عَلَيْكَ، وَأَرْسَلْتَ إِلَيَّ خَيْرَ خَلْقِكَ يَتْلُوْ عَلَيَّ أَفْضَلَ كُتُبِكَ، فَآمَنْتُ بِرَسُوْلِكَ وَلَمْ أَقْتَدِ بِهُدَاهُ، وَصَدَّقْتُ بِكِتَابِكَ وَلَمْ أَعْمَلْ بِهِ، وَأَبْغَضْتُ لِقَاءَكَ لِضُعْفِ نَفْسِيْ، وَعَصِيْتُ أَمْرَكَ لِخَبِيْثِ عَمَلِيْ، وَرَغِبْتُ عَنْ سُنَّتِكَ لِفَسَادِ دِيْنيْ، وَلَمْ أَسْبِقُ إِلَى رُؤيَتِكَ لِقَسَاوَةِ قَلْبِيْ.
الَلَّهُمَّ إِنَّكَ خَلَقْتَ جَنَّةً لِمَنْ أَطَاعَكَ، وَأَعْدَدْتَ فِيْهَا مِنْ النَّعِيْمِ المُقِيْمِ مَا لَا يَخْطُرُ عَلَى القُلُوْبِ، وَوَصَفْتَهَا بَأحْسَنِ الصِّفَةِ فِيْ كِتَابِكَ، وَشَوَّقْتَ إِلَيْهَا عِبَادَكَ، وَأَمَرْتَ بَالمُسَابَقَةِ إِلَيْهَا، وَأَخْبَرْتَ عَنْ سُكَّانِهَا وَمَا فِيْهَا مِنْ حُوْرٍ عِيْنٍ كَأَنَّهُنَّ بِيْضٌ مَكْنُوْنٌ، وَوِلْدَانٍ كَاللَّؤلُؤءِ المَنْثُوْرِ، وَفَاكِهَةٍ وَنَخْلٍ وَرُمَّانٍ، وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ، وَأَنْهَارٍ مِنْ طِيِّبِ الشَّرَابِ، وَسُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ وَسَلْسَبِيْلٍ، وَرَحِيْقٍ مَخْتُوْمٍ، وَأَسَوِرَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَشَرَابٍ طَهُوْرٍ، وَمُلْكٍ كَبِيْرٍ، وَقُلْتَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِي لَهُمْ مِنْ قُرَةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَنَظَرْتُ فِيْ عَمَلِيْ فَرَأَيْتَهُ ضَعِيْفَاً يَا مَوْلَايَ، وَحَاسَبْتُ نَفْسِيْ فَلَمْ أَجِدنْي أَقُوْمُ بِشُكْرِ مَا أَنْعَمْتَ عَلَيْ، وَعَدَدْتُ سَيِّئَاتِيْ فَأَصَبْتُهَا تَسْتَرِقُّ حَسَنَاتِيْ، فَكَيْفَ أَطْمَعُ أَنْ أَنَالَ جَنَّتَكَ بِعَمَلِيْ، وَأَنَا مُرْتَهَنٌ بِخَطِيْئَتِيْ؟!
لَا، كَيْفَ يَا مَوْلَايَ إِنْ لَمْ تُدَارِكْنِيْ مِنْكَ بِرَحْمَةٍ تَمُنُّ بِهَا عَلَيْ فِيْ مِنَنٍ قَدْ سَبَقَتْ مِنْكَ لَا أُحْصِيْهَا، تَخْتِمُ لِيْ بِهَا كَرَامَتَكَ؟ فَطُوْبَى لِمَنْ رَضِيْتَ عَنْهُ، وَوَيْلٌ لِمَنْ سَخِطْتَ عَلَيْهِ، فَارْضَ عَنَّيْ، وَلَا تَسْخَطْ عَلَيَّ يَا مَوْلَايَ.
الَلَّهُمَّ وَخَلَقْتَ نَارَاً لِمَنْ عَصَاكَ، وَأَعْدَدْتَ لِأْهْلِهَا مِنْ أَنْوَاعِ العَذَابِ فِيْهَا، وَوَصَفْتَهُ بِمَا وَصَفْتَهُ مِنَ الحَمِيْمِ، وَالغَسَّاقِ، وَالمُهْلِ، وَالضَّرِيْعِ، وَالصَّدِيْدِ، وَالغِسْلِيْنِ، وَالزَّقُّوْمِ، وَالسَّلَاِسلِ، وَالأَغْلَالِ، وَمَقَامِعِ الحَدِيْدِ، وَالعَذَابِ الغَلِيْظِ، وَالعَذَابِ الشَّدِيْدِ، وَالعَذَابِ المُهِيْنِ، وَالعَذَابِ المُقِيْمِ، وَعَذَابِ الحَرِيْقِ، وَعَذَابِ السُّمُوْمِ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُوْمٍ، وَسَرَابِيْلِ القَطِرَانِ، وَسُرَادِقَاتِ النَّارِ وَالنُّحَاسِ، وَالزَّقُّوْمِ، وَالحُطَمَةِ، وَالهَاوِيَةِ، وَلَظَى، وَالنَّارِ الحَامِيَةِ، وَالنَّارِ المُوْقَدَةِ الَّتِيْ تَطَّلَعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ، وَالنَّارِ المُؤُصَدَةِ ذَاتِ العَمَدِ المُمَدَّدَةِ، وَالسَعِيْرِ، وَالحَمِيْمِ، وَالنَّارِ الَّتِيْ لَا تُطْفَأُ، وَالنَّارِ الَّتِيْ تَكَادُ تَمِيَزُ مِنَ الغَيْظِ، وَالنَّارِ الَّتِيْ وَقُوْدُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ، وَالنَّارُ الَّتِيْ يُقَالُ لَهَا: هَلْ امْتَلَأتِ؟ وَتَقُوْلُ هَلْ مِنْ مَزِيْدٍ؟ وَالدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
فَقَدْ خِفْتُ يَا مَوْلَايَ إِذْ كُنْتُ لَكَ عَاصِيَاً أَنْ أَكُوْنَ لَهَا مُسْتَوْجِبَاً لِكَبِيْرِ ذَنْبِيْ، وَعَظِيْمِ جُرْمِيْ، وَقَدِيْمِ إِسَاءَتِيْ، وَأُفَكِرُ فِيْ غِنَاكَ عَنْ عَذَابِيْ، وَفَقْرِيْ إِلَى رَحْمَتِكَ يَا مَوْلَايَ، مَعَ هَوَانِ مَا طَمِعْتُ فِيْهِ مِنْك عَلَيْكَ، وَعُسْرِهِ عِنْدِيْ، وَيُسْرَهُ عَلَيْكَ، وَعَظِيْمِ قَدْرِهِ عِنْدِيْ، وَكَبِيْرِ خَطَرِهِ لَدَيْ، وَمَوْقِعِهِ مِنْيِ مَعَ جُوْدِكَ بِجَسِيْمِ الأُمْوُرِ، وَصَفْحَكَ عَنْ الذَّنْبِ الكَبِيْرِ لَا يَتَعَاظَمُكَ يَا سَيِّدِيْ ذَنْبٌ أَنْ تَغْفِرَهُ، وَلَا خَطِيْئَةٌ أَنْ تَحُطَّهَا عَنِّيْ، وَعَمَّنْ هُوَ أَعْظَمُ جُرْمَاً مِنِّيْ، لِصِغَرِ خَطَرِيْ فِيْ مُلْكِكَ مَعَ تَضَرُّعِيْ، وَثِقَتِيْ بِكَ، وَتَوَكُّلِيْ عَلَيْكَ، وَرَجَائِيْ إِيَاكَ، وَطَمَعِيْ فِيْكَ، فَيَحُوْلُ ذَلِكَ بَيْنِيْ وَبَيْنَ خَوْفِيْ مِنْ دُخُوْلِ النَّارِ.

وَمَنْ أَنَا يَا سَيِّدِيْ، فَتَقْصُدَ قَصْدِيْ بِغَضَبٍ يَدُوْمُ مِنْكَ عَلَيَّ تُرِيْدُ بِهِ عَذَابِيْ؟! مَا أَنَا فِيْ خَلْقِكَ إَلَّا بِمَنْزِلَةِ الذَّرَّةِ فِيْ مُلْكِكَ العَظِيْمِ، فَهَبْ لِيْ نَفْسِيْ بِجُوْدِكَ وَكَرَمِكَ، فَإِنَّكَ تَجِدُ مِنِّيْ خَلَفَاً وَلَا َأجِدُ مِنْكَ، وَبِكَ غِنَى عَنِّيْ وَلَا غِنَى بِيْ (٢) حَتَى تُلْحِقَنِيْ بِهِمْ فَتُصَيِّرَنِيْ مَعَهُمْ، إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيْزُ الحَكِيْمُ.

رَبِّ حَسَّنْتَ خَلْقِيْ، وَعَظَّمْتَ عَافِيَتِيْ، وَوَسَّعْتَ عَلَيَّ فِيْ رِزْقِيْ، وَلَمْ تَزَلْ تَنْقُلُنِيْ مِنْ نِعْمَةٍ إِلَى كَرَامَةٍ، وَمِنْ كَرَامَةٍ إِلَى فَضْلٍ، تُجدِّد لِيْ ذَلِكَ فِيْ لَيْلِيْ وَنَهَارِيْ، لَا أَعْرِفُ غَيْرَ مَا أَنَا فِيْهِ، حَتَى ظَنَنْتُ أَنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْكَ لِيْ، وَأَنْهُ لَا يَنْبَغِيْ لِيْ أَنْ أَكُوْنَ فِيْ غَيْرِ مَرْتَبَتِيْ، لأَنِّيْ لَمْ أَدْرِ مَا عَظِيْمُ البَلَاءِ فَأجِدُ لَذَّةَ الرَّخَاءِ، وَلَمْ يُذِلَّنِيْ الفَقْرُ فَأعْرِفَ فَضْلَ الغِنَى، وَلَمْ يُهِّنْي الخَوْفُ فَأَعْرِفَ فَضْلَ الأَمْنِ، فَأَصْبَحْتُ وَأَمْسَيْتُ فِيْ غَفْلَةٍ مِمَّا فِيْهِ غَيْرِيْ مِمَنْ هُوَ دُوْنِيْ، وكَفَرْتُ وَلَمْ أَشْكُرْ بَلَاءَكَ، وَلَا أَشُكُّ أَنَّ الَّذِيْ أَنَا فِيْهِ دَائِمٌ غَيْرَ زَائِلِ عَنَّيْ، لَا أُحَدِّثُ نَفْسِيْ بَانْتِقَالِ عَافِيَةٍ وَتَحْوِيْلِ فَقْرٍ، وَلَا خَوْفٍ وَلًا حُزْنٍ فِي عَاجِلِ دُنْيَايَ وَآجِلِ آخِرَتِي، فَيَحُولُ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَ التَّضَرُّعِ إِليْكَ فِي دَوَامِ ذَلِكَ لِي، مَعَ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ مِنْ شُكْرِكَ، وَوَعَدْتَنِي عَلَيْهِ مِنْ المَزِيْدِ مِنْ لَدُنْكَ، فَسَهَوْتُ وَلَهَوْتُ وَغَفِلْتُ وَأَمِنْتُ وَأَشِرْتُ وَبَطِرْتُ وَتَهَاوَنْتُ، حَتَّى جَاءَ التَّغْيِيرُ مَكَانَ العَافِيْةِ بِحِلُوْلِ البَلَاءِ، وَنَزَلَ الضُّرُ بِمَنْزِلَةِ الصِّحَةِ وَبِأَنْوَاعِ السُّقْمِ وَالأَذَى، وَأَقْبَلَ الفَقْرُ بِأَزَاءِ الغِنَى، فَعَرَفْتُ مَا كُنْتُ فِيْهِ لِلَّذِي صِرْتُ إِليْهِ، فَسَأَلْتُكَ مَسْأَلَةَ مَنْ لَا يَسْتَوْجِبُ أَنْ تَسْمَعَ لَهُ دَعْوَةً لِعَظِيْمِ مَا كُنْتُ فِيْهِ مِنْ الغَفْلَةِ، وَطَلَبْتُ طَلِبَةَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ نَجَاحَ الطَّلِبَةِ لِلَّذِي كُنْتُ فِيهِ مِنْ اللهْوِ وَالفَتْرَةِ، وَتَضَرَّعْتُ تَضَرُّعَ مَنْ لَا يَسْتَوجِبُ الرَّحْمَةَ لِمَا كُنْتُ فِيهِ مِنْ الزَّهْوِ وَالاسْتِطَالَةِ، فَرَضِيْتُ بِمَا إِليْهِ صَيَّرْتَنِي وَإنْ كَانَ الضُّرُ قَدْ مَسَّنِي، وَالفَقْرُ قَدْ أَظَلَّنِي[أذلني] ، وَالبَلَاءُ قَدْ حَلَّ بِي، فَإِنْ يَكُ ذَلِكَ مِنْ سَخَطٍ مِنْكَ، فَأَعُوْذُ بِحِلْمِكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَإِنْ كُنْتَ أًرَدْتَ أَنْ تَبْلُوْنِي، فَقَدْ عَرَفْتَ ضَعْفِي وَقِلَّةَ حِيْلَتِي، إِذْ قُلْتَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالِيْتَ: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا *إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾، وَقُلْتَ عزِّيْتَ (٣) مِنْ قَائِلٍ : ﴿فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُوْلُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُوْلُ رَبِّي أهَانَنِ﴾، وَقُلْتَ جَلَّيْتَ (٤) مِنْ قَائِلٍ : ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، وَقُلْتَ سُبْحَانَكَ : ﴿إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِليْهِ تَجْأَرُوْنَ﴾، وَقُلْتَ عَزَّيْتَ وَجَلَّيْتَ: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾، وَقُلْتَ :﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾، وَقلت : ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾.

صَدَقْتَ يَا سَيِّدِي وَمَوْلَاي، هَذِهِ صِفَاتِي الَّتِي أَعْرِفُهَا مِنْ نَفْسِي، قَدْ مَضَى عِلْمُكَ فِيَّ يَا مَوْلَاي، وَوَعَدْتَنِي مِنْكَ وَعْدَاً حَسَنَاً أَنْ أَدْعُوْكَ كَمَا أَمَرْتَنِي فَتسْتَجِيبْ لِي فَأَنَا أَدعُوكَ كَمَا أَمَرْتَنِي فَاسْتَجِبْ لِي كَمَا وَعَدْتَنِي، وَزِدْنِي مِنْ نِعْمَتِكَ وَعَافِيَتِكَ، وَكَلَائَتِكَ وَسِتْرِكَ، وَانْقُلْنِي مِمّاَ أَنَا فِيهِ إِلَى مَا هَوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، حَتَّى تَبْلُغَ بِي فِيْمَا أَنَا فِيهِ رِضَاكَ، وَأَنَالَ بِهِ مَا عِنْدَكَ فِيْمَا أَعْدَدْتَهُ لِأَوْلِيَائِكَ وَأَهْلِ طَاعَتِكَ مَعَ النّبِيْيِنَ وَالصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُهَدَاءِ وَالصّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيْقَاً.
فَارْزُقْنَا فِيْ دَارِكَ دَارِ المُقَامَةِ فِيْ جِوَارِ مُحَمَّدٍ الحَبِيْبِ زَيْنَ القِيَامَةِ، تَمَامَ الكَرَامَةِ، وَدَوَامَ النِّعْمَةِ، وَمَبْلَغَ السُرُوْرِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِ شَيْءٍ قَدِيْرٌ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَعَلَى آلهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيْمَاً كَثِيْرَاً، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ.


١ - مني. ظ

٢ - الظاهر وقوع سقط في عبارة الدعاء هنا، (منه).

٣ - كذا في الصحيفة الثانية والبحار، وكان القياس أن يقل عززت ولعله من باب تقضى البازي أي تقضض، وله نظائر كثيرة ((منه))

٤ - يجرى فيه جميع ما مر في عزبت حرفا بحرف ((منه))

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025

Logo

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025