دعائه (عليه السلام) في جوامع مطالب الّدنيا والآخرة
فَوَعِزَتِكَ، مَا تُزِيِّنُ مُلْكَكَ حَسَنَاتِيْ وَلَا تُقَبِّحُهُ سَيِّئَاتِيْ، وَلَا يُنْقِصُ خَزَائِنَكَ غِنَايَ، وَلَا َيزِيْدُ فِيْهَا فَقْرِيْ، وَمَا صَلَاحِيْ وَفَسَادِيْ إِلَّا إِلِيْكَ، فَإِنْ صَيَّرْتَنِيْ صَالِحَاً كُنْتُ صَالِحَاً، وَإِنْ جَعَلْتَنِيْ فَاسِدَاً لَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَلَاحِيْ سِوَاكَ، فَمَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ سَيّءٍ أَتَيْتُهُ، فَعَلَى عِلْمٍ مِنْكَ (١) بَأَنَّكَ تَرَانِيْ، وَأَنَّكَ غَيْرُ غَافِلٍ عَنِّيْ، مُصَدِّقٌ مِنْكَ بَالوَعِيْدِ لِيْ وَلِمَنْ كَانَ فِيْ مِثْلِ حَالِيْ، وَاثِقٌ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكَ بَالصَّفْحِ الكَرِيْمِ، وَالعَفْوِ القَدِيْمِ، وَالرَّحْمَةِ الوَاسِعَةِ، فَجَرَّأَنِيْ عَلَى مَعْصِيَتِكَ مَا أَذَقْتَنِيْ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَوُثُوْبِيْ عَلَى مَحَارِمِكَ مَا رَأَيْتُ مِنْ عَفْوِكَ، وَلَوْ خِفْتُ تَعْجِيْلَ نِقْمَتِكَ لأَخَذْتُ حِذْرِيْ مِنْكِ كَمَا أَخَذْتُهُ مِنْ غَيْرِكَ مِمَّنْ هُوَ دُوْنَكَ، مِمَّنْ خِفْتُ سَطْوَتَهُ فَاجْتَنَبْتُ نَاحِيَتَهُ، وَمَا تَوْفِيْقِيْ إِلَّا بِكَ، فَلَا تَكِلْنِيْ إِلَى نَفْسِيْ بِرَحْمَتِكَ فَأعْجَزَ عَنْهَا، وَلَا إِلَى سِوَاكَ فَيَخْذُلَنِيْ، فَقَدْ سَأَلتُكَ مِنْ فَضْلِكَ مَا لَا أَسْتَحِقُّهُ بِعَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمْتُهُ، وَلَا آيَسُ مِنْهُ لِذَنْبٍ عَظِيْمٍ رَكِبْتُهُ، بَلْ لِقَدِيْمِ الرَّجَاءِ فِيْكَ، وَعَظِيْمِ الطَّمَعِ مَنْكَ الَّذِيْ أَوْجَبْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ مِنْ الرَّحْمَةِ، فَالأَمْرُ لَكَ وَحَدَكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ، وَالخَلْقُ عِيَالُكَ، وَكُلُّ شَيٍءٍ خَاضِعٌ لَكَ، مُلْكُكَ كَبِيْرٌ، وَعَدْلُكَ قَدِيْمٌ، وَعَطَاؤُكَ جَزِيْلٌ، وَعَرْشُكَ كَرِيْمٌ، وَثَنَاؤكَ رَفِيْعٌ، وَذِكْرُكَ أَحْسَنُ، وَرَجَاؤُكَ أَمْنَعُ وَأَحْكَمُ، وَحُكْمُكَ نَافِذٌ، وَعِلْمُكَ جَمٌّ، وَأَنْتَ أَوْلٌ آخِرٌ ظَاهِرٌ بَاطِنٌ بِكُلِّ شَيٍء عَلِيْمٌ، عِبَادُكَ جَمِيْعَاً إِلَيْكَ فُقَرَاءٌ، وَأَنَا أَفْقَرُهُمْ إِلَيْكَ، لِذَنْبٍ تَغْفِرُهُ، وَلِفَقْرٍ تَجْبُرُهُ، وَلِعَائِلَةٍ تُغْنِيْهَا، وَلِعَوْرَةٍ تَسْتُرُهَا، وَلِخَلَّةٍ تَسُدُّهَا، وَلِسِّيَئةٍ تَتَجَاوَزُ عَنْهَا، وَلِفَسَادٍ تُصْلِحُهُ، وَلِعَمَلٍ صَالِحٍ تَتَقَبَّلُهُ، وَلِكَلِامٍ طَيِّبٍ تَرْفَعُهُ، وَلِبَدَنٍ تُعَافِيْهِ.
وَمَنْ أَنَا يَا سَيِّدِيْ، فَتَقْصُدَ قَصْدِيْ بِغَضَبٍ يَدُوْمُ مِنْكَ عَلَيَّ تُرِيْدُ بِهِ عَذَابِيْ؟! مَا أَنَا فِيْ خَلْقِكَ إَلَّا بِمَنْزِلَةِ الذَّرَّةِ فِيْ مُلْكِكَ العَظِيْمِ، فَهَبْ لِيْ نَفْسِيْ بِجُوْدِكَ وَكَرَمِكَ، فَإِنَّكَ تَجِدُ مِنِّيْ خَلَفَاً وَلَا َأجِدُ مِنْكَ، وَبِكَ غِنَى عَنِّيْ وَلَا غِنَى بِيْ (٢) حَتَى تُلْحِقَنِيْ بِهِمْ فَتُصَيِّرَنِيْ مَعَهُمْ، إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيْزُ الحَكِيْمُ.
رَبِّ حَسَّنْتَ خَلْقِيْ، وَعَظَّمْتَ عَافِيَتِيْ، وَوَسَّعْتَ عَلَيَّ فِيْ رِزْقِيْ، وَلَمْ تَزَلْ تَنْقُلُنِيْ مِنْ نِعْمَةٍ إِلَى كَرَامَةٍ، وَمِنْ كَرَامَةٍ إِلَى فَضْلٍ، تُجدِّد لِيْ ذَلِكَ فِيْ لَيْلِيْ وَنَهَارِيْ، لَا أَعْرِفُ غَيْرَ مَا أَنَا فِيْهِ، حَتَى ظَنَنْتُ أَنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْكَ لِيْ، وَأَنْهُ لَا يَنْبَغِيْ لِيْ أَنْ أَكُوْنَ فِيْ غَيْرِ مَرْتَبَتِيْ، لأَنِّيْ لَمْ أَدْرِ مَا عَظِيْمُ البَلَاءِ فَأجِدُ لَذَّةَ الرَّخَاءِ، وَلَمْ يُذِلَّنِيْ الفَقْرُ فَأعْرِفَ فَضْلَ الغِنَى، وَلَمْ يُهِّنْي الخَوْفُ فَأَعْرِفَ فَضْلَ الأَمْنِ، فَأَصْبَحْتُ وَأَمْسَيْتُ فِيْ غَفْلَةٍ مِمَّا فِيْهِ غَيْرِيْ مِمَنْ هُوَ دُوْنِيْ، وكَفَرْتُ وَلَمْ أَشْكُرْ بَلَاءَكَ، وَلَا أَشُكُّ أَنَّ الَّذِيْ أَنَا فِيْهِ دَائِمٌ غَيْرَ زَائِلِ عَنَّيْ، لَا أُحَدِّثُ نَفْسِيْ بَانْتِقَالِ عَافِيَةٍ وَتَحْوِيْلِ فَقْرٍ، وَلَا خَوْفٍ وَلًا حُزْنٍ فِي عَاجِلِ دُنْيَايَ وَآجِلِ آخِرَتِي، فَيَحُولُ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَ التَّضَرُّعِ إِليْكَ فِي دَوَامِ ذَلِكَ لِي، مَعَ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ مِنْ شُكْرِكَ، وَوَعَدْتَنِي عَلَيْهِ مِنْ المَزِيْدِ مِنْ لَدُنْكَ، فَسَهَوْتُ وَلَهَوْتُ وَغَفِلْتُ وَأَمِنْتُ وَأَشِرْتُ وَبَطِرْتُ وَتَهَاوَنْتُ، حَتَّى جَاءَ التَّغْيِيرُ مَكَانَ العَافِيْةِ بِحِلُوْلِ البَلَاءِ، وَنَزَلَ الضُّرُ بِمَنْزِلَةِ الصِّحَةِ وَبِأَنْوَاعِ السُّقْمِ وَالأَذَى، وَأَقْبَلَ الفَقْرُ بِأَزَاءِ الغِنَى، فَعَرَفْتُ مَا كُنْتُ فِيْهِ لِلَّذِي صِرْتُ إِليْهِ، فَسَأَلْتُكَ مَسْأَلَةَ مَنْ لَا يَسْتَوْجِبُ أَنْ تَسْمَعَ لَهُ دَعْوَةً لِعَظِيْمِ مَا كُنْتُ فِيْهِ مِنْ الغَفْلَةِ، وَطَلَبْتُ طَلِبَةَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ نَجَاحَ الطَّلِبَةِ لِلَّذِي كُنْتُ فِيهِ مِنْ اللهْوِ وَالفَتْرَةِ، وَتَضَرَّعْتُ تَضَرُّعَ مَنْ لَا يَسْتَوجِبُ الرَّحْمَةَ لِمَا كُنْتُ فِيهِ مِنْ الزَّهْوِ وَالاسْتِطَالَةِ، فَرَضِيْتُ بِمَا إِليْهِ صَيَّرْتَنِي وَإنْ كَانَ الضُّرُ قَدْ مَسَّنِي، وَالفَقْرُ قَدْ أَظَلَّنِي[أذلني] ، وَالبَلَاءُ قَدْ حَلَّ بِي، فَإِنْ يَكُ ذَلِكَ مِنْ سَخَطٍ مِنْكَ، فَأَعُوْذُ بِحِلْمِكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَإِنْ كُنْتَ أًرَدْتَ أَنْ تَبْلُوْنِي، فَقَدْ عَرَفْتَ ضَعْفِي وَقِلَّةَ حِيْلَتِي، إِذْ قُلْتَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالِيْتَ: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا *إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾، وَقُلْتَ عزِّيْتَ (٣) مِنْ قَائِلٍ : ﴿فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُوْلُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُوْلُ رَبِّي أهَانَنِ﴾، وَقُلْتَ جَلَّيْتَ (٤) مِنْ قَائِلٍ : ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، وَقُلْتَ سُبْحَانَكَ : ﴿إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِليْهِ تَجْأَرُوْنَ﴾، وَقُلْتَ عَزَّيْتَ وَجَلَّيْتَ: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾، وَقُلْتَ :﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾، وَقلت : ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾.
١ - مني. ظ
٢ - الظاهر وقوع سقط في عبارة الدعاء هنا، (منه).
٣ - كذا في الصحيفة الثانية والبحار، وكان القياس أن يقل عززت ولعله من باب تقضى البازي أي تقضض، وله نظائر كثيرة ((منه))
٤ - يجرى فيه جميع ما مر في عزبت حرفا بحرف ((منه))