دعائه (عليه السلام) إذا مجّد ربه، واستقصى في الثناء عليه
فَسُبْحَانَكَ! مَا أَبْيَنَ كَرَمَكَ فِي مُعَامَلَةِ مَنْ أَطَاعَكَ أَوْ عَصَاكَ، تَشْكُرُ الْمُطِيعَ عَلَى مَا أَنْتَ تَوَلَّيْتَهُ لَهُ، وتُمْلِي الْعَاصِي(١) فِيمَا تَمْلِكُ مُعَاجَلَتَهُ فِيهِ، أَعْطَيْتَ كُلاًّ مِنْهُمَا مَا لَا يَجِبْ لَهُ، وَتَفَضَّلْتَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا يَقْصُرُ عَمَلُهُ عَنْهُ، وَلَوْ كَافَأْتَ الْمُطِيعَ عَلَى مَا أَنْتَ تَوَلَّيْتَهُ بِالسَّوَاءِ لأَوْشَكَ أَنْ يَفْقِدَ ثَوَابَكَ، وَأَنْ تَزُولَ عَنْهُ نِعْمَتُكَ، وَلَكِنَّكَ جَازَيْتَهُ عَلَى الْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ الْفَائتةِ بِالْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الْخَالِدَةِ، وَعَلَى الْغَايَةِ الْقَرِيبَةِ الزَّائِلَةِ بِالْغَايَةِ الْمَدِيدَةِ الْبَاقِيَةِ، ثُمَّ لَمْ تَسُمْهُ الْقِصَاصَ فِيمَا أَكَلَ مِنْ رِزْقِكَ الَّذِي يَقْوَى بِهِ عَلَى طَاعَتِكَ، ولَمْ تَحْمِلْهُ عَلَى الْمُنَاقَشَةِ فِي الآلَاتِ الَّتِي تَسَبَّبَ بِاسْتِعْمَالِهَا إِلَى مَغْفِرَتِكَ، وَلَوْ فَعَلْتَ بِهِ ذَلِكَ لَذَهَبَ جَمِيعُ مَا كَدَحَ لَهُ، وَصَارَتْ جُمْلَةُ مَا سَعَى فِيهِ جَزَاءً لِلصُّغْرَى مِنْ مِنَنِكَ، ولَبَقِيَ رَهْنَاً بَيْنَ يَدَيْكَ بِسَائِرِ نِعَمِكَ، فَمَتَى كَانَ يَسْتَحِقُّ شَيْئاً مِنْ ثَوَابِكَ؟! لَا مَتَى! فهَذهِ - يَا إِلِهي - حَالَةُ مَنْ أَطَاعَكَ، وَسَبِيلُ مَنْ تَعَبَّدَ لَكَ، فَأَمَّا الْعَاصِي أَمْرَكَ والْمُوَاقِعُ نَهْيَكَ فَلَمْ تُعَاجِلْهُ بِنَقِمَتِكَ لِكَيْ يَسْتَبْدِلَ بِحَالِهِ فِي مَعْصِيَتِكَ حَالَ الإِنَابَةِ إِلَى طَاعَتِكَ، ولَقَدْ كَانَ يَسْتَحِقُّ - يَا إِلِهي - فِي أَوَّلِ مَا هَمَّ بِعِصْيَانِكَ كُلَّ مَا أَعْدَدْتَ لِجَمِيعِ خَلْقِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، فَجَمِيعُ مَا أَخَّرْتَ عَنْهُ مِنْ وَقْت ِالْعَذَابِ وأَبْطَأْتَ عَلَيْهِ مِنْ سَطَوَاتِ النَّقِمَةِ فتَرْكٌ مِنْ حَقِّكَ، وَرِضًى بِدُونِ وَاجِبِكَ، فَمَنْ أَكْرَمُ - يَا إِلِهي – مِنْكَ؟ ومَنْ أَشْقَى مِمَّنْ هَلَكَ عَلَيْكَ؟ فَتَبَارَكْتَ أَنْ تُوصَفَ إلّا بِالإِحْسَانِ، وكَرُمْتَ أَنْ يُخَافَ مِنْكَ إلّا الْعَدْلُ، لَا يُخْشَى جَوْرُكَ عَلَى مَنْ عَصَاكَ، ولَا يُخَافُ إِغْفَالُكَ ثَوَابَ مَنْ أَرْضَاكَ.
١ - للعاصي