دعائه (عليه السلام) إذا مجّد ربه، واستقصى في الثناء عليه

رقم الموضوع: ٢
كما في الصّحيفة الثالثة، وهو من الأحد وعشرين السّاقطة من الصّحيفة الكاملة، قال: على ما وجدناه في عدة نسخ من الصّحيفة السّجادية الغير المشهور، ومن ذلك ما رأيته في نسخة الصّحيفة الكاملة السّجادية برواية الشّيخ أبي الحسين محمد بن بحر الرهتي الكرماني الزماشيري المعاصر للصدوق، وفي نسخة أخرى برواية الشّيخ الفقيه أبي الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن ابن شاذان المعاصر للمفيد، وقد رأيته في مجموعة عتيقة أيضاً في بلدة أردبيل، إلّا أن بينهما اختلافات قد جمعنا بينهما، وتعرضنا لها بقدر الأماكن، انتهى.
أقول: وآخر هذا الدّعاء من قوله: (يا من لا تنقضي عجائب عظمته إلى الآخر)، موجود في الصّحيفة الكاملة السّجادية بعنوان (دعاؤه لنفسه ولأهل ولايته) مع بعض تفاوت، وهو هذا الدّعاء:
[بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ]
أَللهُمَّ إِنَّ أَحَدَاً لَا يَبْلُغُ مِنْ شُكْرِكَ غَايَةً وَإِنْ أَبْعَدَ إِلَّا حَصَلَ عَلَيْهِ مِنْ إِحْسَانِكَ مَا يُلْزِمُهُ شُكْرَكَ، وَلَا يَبْلُغُ مَبْلَغاً مِنْ طَاعَتِكَ وإِنِ اجْتَهَدَ إِلَّا كَانَ مُقَصِّراً دُونَ اسْتِحْقَاقِكَ بِفَضْلِكَ، فَأَشْكَرُ عِبَادِكَ عَاجِزٌ عَنْ شُكْرِكَ، وأَعْبَدُهُمْ لك مُقَصِّرٌ عَنْ طَاعَتِكَ، لَا يَجِبُ لأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ تَغْفِرَ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ، ولَا يَحقُّ أَنْ تَرْضَى عَنْهُ بِاسْتِيجَابِهِ، فَمَنْ غَفَرْتَ لَهُ فَبِطَوْلِكَ، ومَنْ رَضَيتَ عَنْهُ فَبِفَضْلِكَ، تَشْكُرُ يَسِيرَ مَا تُشكَرُ بِهِ، وَتُثِيبُ عَلَى قَلِيلِ مَا تُطَاعُ فِيهِ، حَتَّى كَأَنَّ شُكْرَ عِبَادِكَ الَّذِي أَوْجَبْتَ عَلَيْه ثَوَابَهُمْ وأَعْظَمْتَ فِيهِمْ جَزَاءَهُمْ أَمْرٌ مَلَكُوا اسْتِطَاعَةَ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ دُونَكَ فَكَافَأتَهُمْ، وْ لَمْ يَكُنْ سَبَبُه بِيَدِكَ فَجَازَيْتَهُمْ؟!
بَلْ مَلَكْتَ - يَا إِلهِي - أَمْرَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكُوا عِبَادَتَكَ، وأَعْدَدْتَ ثَوَابَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُفِيضُوا فِي طَاعَتِكَ، وذَلِكَ أَنَّ سُنَّتَكَ الإِفْضَالُ، وعَادَتَكَ الإِحْسَانُ، وسَبِيلَكَ الْعَفْوُ، فَكُلُّ الْبَرِيَّةِ مُعْتَرِفَةٌ بِأَنَّكَ غَيْرُ ظَالِمٍ لِمَنْ عَاقَبْتَ، وشَاهِدةٌ بِأَنَّكَ مُتَفَضَّلٌ عَلَى مَنْ عَافَيْتَ، وكُلٌّ مُقِرٌّ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّقْصِيرِ عَمَّا اسْتَوْجَبْتَ، فَلَوْلَا أَنَّ الشَّيْطَانَ يَخْتَدِعُهُمْ عَنْ طَاعَتِكَ مَا عَصَاكَ أَحَدٌ، ولَوْلَا أَنَّه يُصَوّرُ لَهُمُ الْبَاطِلَ فِي مِثَالِ الْحَقِّ مَا ضَلَّ عَنْ طَرِيقِكَ ضَالٌّ.

فَسُبْحَانَكَ! مَا أَبْيَنَ كَرَمَكَ فِي مُعَامَلَةِ مَنْ أَطَاعَكَ أَوْ عَصَاكَ، تَشْكُرُ الْمُطِيعَ عَلَى مَا أَنْتَ تَوَلَّيْتَهُ لَهُ، وتُمْلِي الْعَاصِي(١) فِيمَا تَمْلِكُ مُعَاجَلَتَهُ فِيهِ، أَعْطَيْتَ كُلاًّ مِنْهُمَا مَا لَا يَجِبْ لَهُ، وَتَفَضَّلْتَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِمَا يَقْصُرُ عَمَلُهُ عَنْهُ، وَلَوْ كَافَأْتَ الْمُطِيعَ عَلَى مَا أَنْتَ تَوَلَّيْتَهُ بِالسَّوَاءِ لأَوْشَكَ أَنْ يَفْقِدَ ثَوَابَكَ، وَأَنْ تَزُولَ عَنْهُ نِعْمَتُكَ، وَلَكِنَّكَ جَازَيْتَهُ عَلَى الْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ الْفَائتةِ بِالْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ الْخَالِدَةِ، وَعَلَى الْغَايَةِ الْقَرِيبَةِ الزَّائِلَةِ بِالْغَايَةِ الْمَدِيدَةِ الْبَاقِيَةِ، ثُمَّ لَمْ تَسُمْهُ الْقِصَاصَ فِيمَا أَكَلَ مِنْ رِزْقِكَ الَّذِي يَقْوَى بِهِ عَلَى طَاعَتِكَ، ولَمْ تَحْمِلْهُ عَلَى الْمُنَاقَشَةِ فِي الآلَاتِ الَّتِي تَسَبَّبَ بِاسْتِعْمَالِهَا إِلَى مَغْفِرَتِكَ، وَلَوْ فَعَلْتَ بِهِ ذَلِكَ لَذَهَبَ جَمِيعُ مَا كَدَحَ لَهُ، وَصَارَتْ جُمْلَةُ مَا سَعَى فِيهِ جَزَاءً لِلصُّغْرَى مِنْ مِنَنِكَ، ولَبَقِيَ رَهْنَاً بَيْنَ يَدَيْكَ بِسَائِرِ نِعَمِكَ، فَمَتَى كَانَ يَسْتَحِقُّ شَيْئاً مِنْ ثَوَابِكَ؟! لَا مَتَى! فهَذهِ - يَا إِلِهي - حَالَةُ مَنْ أَطَاعَكَ، وَسَبِيلُ مَنْ تَعَبَّدَ لَكَ، فَأَمَّا الْعَاصِي أَمْرَكَ والْمُوَاقِعُ نَهْيَكَ فَلَمْ تُعَاجِلْهُ بِنَقِمَتِكَ لِكَيْ يَسْتَبْدِلَ بِحَالِهِ فِي مَعْصِيَتِكَ حَالَ الإِنَابَةِ إِلَى طَاعَتِكَ، ولَقَدْ كَانَ يَسْتَحِقُّ - يَا إِلِهي - فِي أَوَّلِ مَا هَمَّ بِعِصْيَانِكَ كُلَّ مَا أَعْدَدْتَ لِجَمِيعِ خَلْقِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، فَجَمِيعُ مَا أَخَّرْتَ عَنْهُ مِنْ وَقْت ِالْعَذَابِ وأَبْطَأْتَ عَلَيْهِ مِنْ سَطَوَاتِ النَّقِمَةِ فتَرْكٌ مِنْ حَقِّكَ، وَرِضًى بِدُونِ وَاجِبِكَ، فَمَنْ أَكْرَمُ - يَا إِلِهي – مِنْكَ؟ ومَنْ أَشْقَى مِمَّنْ هَلَكَ عَلَيْكَ؟ فَتَبَارَكْتَ أَنْ تُوصَفَ إلّا بِالإِحْسَانِ، وكَرُمْتَ أَنْ يُخَافَ مِنْكَ إلّا الْعَدْلُ، لَا يُخْشَى جَوْرُكَ عَلَى مَنْ عَصَاكَ، ولَا يُخَافُ إِغْفَالُكَ ثَوَابَ مَنْ أَرْضَاكَ.

فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلهِ، وهَبْ لِي مِنْكَ أَمَلِي، وزِدْنِي مِنْ هُدَاكَ مَا أَصِلُ بِهِ إِلَى تَوْفِيقِ عَمَلِي، إِنَّكَ مَنَّانٌ كَرِيمٌ.
يَا مَنْ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُ عَظَمَتِهِ، أُحْجُبْنَا عَنِ الإِلْحَادِ فِي عَظَمَتِكَ، وَ يَا مَنْ لَا تَنْتَهِي مُدَّةُ مُلْكِهِ، أَعْتِقْ رِقَابَنَا مِنْ نَقِمَتِكَ، وَ يَا مَنْ لَا تَفْنَى خَزَائِنُ رَحْمَتِه، اجْعَلْ لَنَا نَصِيباً مِنْ رَحْمَتِكَ، وَ يَا مَنْ تَنْقَطِعُ دُونَ رُؤْيَتِه الأَبْصَارُ، أَدْنِنَا إِلَى قُرْبِكَ، وَ ِيَا مَنْ تَصْغُرُ عِنْدَ خَطَرِهِ الأَخْطَارُ، كَرِّمْنَا عَلَيْكَ، وَ يَا مَنْ تَظْهَرُ عِنْدَهُ بَوَاطِنُ الأَخْبَارِ، لَا تَفْضَحْنَا لَدَيْكَ، وأَغْنِنَا عَنْ هِبَةِ الْوَاهبِينَ بِهِبَتِكَ، واكْفِنَا وَحْشَةَ الْقَاطِعِينَ بِصِلَتِكَ حَتَّى لَا نَرْغَبَ إِلَى أَحَدٍ مَعَ فَضْلِكَ، ولَا نَسْتَوْحِشَ مِنْ أَحَدٍ مَعَ بَذْلِكَ.
الَلَّهُمَ كِدْ لَنَا ولَا تَكِدْ عَلَيْنَا، وامْكُرْ لَنَا ولَا تَمْكُرْ بِنَا، وأَدِلْ لَنَا ولَا تُدِلْ مِنَّا. الَلَّهُمَ قِنَا عَذَابَكَ، وَاهْدِنَا بِكَ، وَلَا تُبَاعِدْنَا عَنْكَ، فَإِنَّك مَنْ تَقِهِ يَسْلَمْ، ومَنْ تَهْدِهِ يَعْلَمْ، ومَنْ تُقَرِّبْهُ إِلَيْكَ يَغْنَمْ.
الَلَّهُمَ إِنَّمَا يَكْفِي الكُفَاةُ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ فَاكْفِنَا، وَإِنَّمَا يُعْطِي الْمُعْطُونَ مِنْ فَضْلِ جِدَتِكَ فأَعْطِنَا، وإِنَّمَا يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بِنُورِ حِكمَتِكَ فَاهْدِنَا.
الَلَّهُمَ إِنَّكَ مَنْ وَالَيْتَ لَمْ يَضْرُرْهُ خِذْلَانُ الْخَاذِلِينَ، وَمَنْ أَعْطَيْتَ لَمْ يَنْقُصْهُ مَنْعُ الْمَانِعِينَ، وَمَنْ هَدَيْتَ لَمْ يُغْوِهِ إِضْلَالُ الْمُضِلِّينَ، فَامنَعنَا بِعِزِّتكَ مِنْ شَرِ عِبَادِكَ، وَأغنِنَا عَنْ غَيْرِكَ بِإِرْفَادِكَ، وَاسْلُكْ بِنَا سُبُلَ الْحَقِّ بِإِرْشَادِكَ، وَاكفِنَا حَدَ نَوائِبِ الزَّمَانِ، وَسُوءَ مَصَائِدِ الشَّيطَانِ، وَمَرَارَةَ صَولَةِ السُّلطَانِ، وَاجْعَلْ سَلَامَةَ قُلُوبِنَا فِي ذِكْرِ عَظَمَتِكَ، وفَرَاغَ أَبْدَانِنَا فِي شُكْرِ نِعْمَتِكَ، وَانْطِلَاقَ أَلْسِنَتِنَا فِي وَصْفِ مِلتِكَ، واجْعَلْنَا مِنْ دُعَاتِكَ الدَّاعِينَ إِلَيْكَ، وَمِنْ هُداتِكَ الدَّالِّينَ عَلَيْكَ، ومِنْ خَاصَّتِكَ الْحَاضِرِينَ لَدَيْكَ.


١ - للعاصي

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025

Logo

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025