دعائه (عليه السلام) في المناجاة المعروفة بالإنجيلية الطويلة

رقم الموضوع: ٦٥
كما وجدناه أولاً في كتاب لبعض أصحابنا في الأدعية والأعمال، سماه تحفة العابدين أو أنيس العابدين أو نحو ذلك؛ لان المضاف كان تالفاً من النسخة ولم يبقَ غير لفظة العابدين، وعبر عن نفسه في خطبته بمحمد الطبيب، رأينا منه نسخة في دمشق الشام كتبت في سنة (١١٢٤) أربع وعشرين ومئة بعد الألف بدمشق، ثم وجدناها في الصّحيفة الثالثة، قال: (وكان من دعائه (عليه السلام) في المناجاة) وهي المناجاة الشريفة الإنجيلية الطويلة، وهي أكبر مناجاة قد ظهرت من فيض الله على لسانه المبارك صلوات الله عليه، ثم قال:
قد رأيت في كتاب عتيق من مؤلفات قدماء أصحابنا رضوان الله عليهم أجمعين، أن هذا الدّعاء المعروف بالمناجاة الإنجيلية مروي عن مولانا سيد الساجدين وزين العابد بن صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأولاده المعصومين، وإنما سميت هذه المناجاة بالإنجيلية؛ لأن فقراتها تشبه أكثر فقرات مواعظ الإنجيل النازل على عيسى عليه السلام، لا الإنجيل المتداول بين النصارى الآن، قال: ثم لا يخفى أن عبارات هذه المناجاة وسياقها أقوى دليل على صحة صدورها عن ذلك الإمام المعصوم، وهذه الحجة تكفي في كونها من أدعيته عليه السلام وإن [إن] لم يصح سندها وإسنادها، مع أنه قد رواه جماعة من المتقدمين والمتأخرين في كتبهم، كما نقله [نقلها] فيه (كذا) صاحب أنيس العابدين وغيره في غيره أيضاً، ومنهم المولى الجليل مولانا محسن القاشاني المعاصر قدس سره في كتاب ذريعة الضراعة، وقد قال ابن شهر اشوب في معالم العلماء في ترجمة يحيى بن علي بن محمد الحسيني البرقي: إنه يروي عن الصادق عليه السلام الدّعاء المعروف بإنجيل أهل البيت عليهم السلام، انتهى.
والظاهر أن مراده (رضوان الله عليه) به هو هذا الدّعاء الشريف، وإن حمله السيد الداماد والمولى محمد تقي المجلسي (رحمهما الله) وأضرابهما على الصّحيفة الكاملة المشهورة، ولكن عندي في ذلك تأمل، ولا سيما أنه قد وقع فيه بلفظ الدّعاء مفرداً فتأمل.
وقد رأيت أيضاً في أردبيل في طي بعض الأدعية الشريفة المذكورة في مجموعة عتيقة جداً هذه المناجاة منسوبة اليه عليه السلام إلّا أن الموجودة فيها أخصر وأقصر من هذه بكثير، فلا تغفل، انتهى كلامه في الصّحيفة الثالثة.
أقول: وحكى الفاضل المعاصر النوري في حاشية الصّحيفة الثالثة عن أستاذ المؤلف المولى السبزواري، أنه ذكرها في كتاب مفاتيح النجاة، وقد ذكرها المجلسي في البحار، قال: وقد وجدتها في بعض مرويات أصحابنا رضي الله عنه في كتاب أنيس العابدين من مؤلفات بعض قدمائنا عنه عليه السلام، انتهى. والمناجاة في هذه:
بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
اللهم بِذِكرِكَ أستَفتِحُ مَقالي، وبِشُكرِكَ أستَنجِحُ سُؤالي، وَعَلَيكَ أتَوَكلُ [توكلي] في كُلِّ أَحْوَالِي، وَإِيَّاكَ آمَلُ[وأنت أملي] فَلا تُخَيِّبْ آمَالي.
الَلَّهُمَّ بِذِكرِكَ أستَعيذُ وأَعتَصِمُ [وأسعتصم]، وبِرُكنِكَ ألوذُ وأَتَحَزَّمُ، وبِقُوَّتِكَ أستَجيرُ وأَستَنصِرُ، وبِنورِكَ أهتَدي وأَستَبصِرُ، وإيّاكَ أستَعينُ وأَعبُدُ، وإلَيكَ أقصِدُ وأَعمِدُ، وبِكَ أُخَاصِمُ وَأُجَادِلُ، وَمِنْكَ أَطْلُبُ مَا أُحَاوِلُ، فَأَعِنِّي يَا خَيرَ المُعِيْنِيْنَ وَقِنِي المَكارِهَ كُلَّها يا رَجاءَ المُؤمِنينَ. الحَمدُ للهِ المَذكورِ بِكُلِّ لِسانٍ، المَشكورِ عَلى كُلِّ إحسانٍ، المَعْبُوْدِ في كُلِّ مَكَانٍ، مُدَبِّرِ الأُمُورِ وَمُقَدِّرِ الدُّهُورِ، وَالعَالِمِ بِما تُجِنُّهُ البُحورُ وتُكِنُّهُ الصُّدورُ، ويُخفِيْهِ الظَّلامُ ويُبديهِ النُّوْرُ، الَّذي حَارَ في عِلمِهِ العُلَماءُ، وسَلَّمَ بِحُكْمِهِ [لِحُكمِهِ] الحُكَماءُ، وَتَواضَعَ لِعِزَّتِهِ العُظَماءُ، وَفَاقَ بِسَعَةِ فَضلِهِ الكُرَماءَ، وَسَادَ بِعَظيمِ حِلمِهِ الحُلَماءَ.
وَالحَمدُ للهِ الَّذي لا يُخفَرُ مَنِ انتَصَرَ بِذِمَّتِهِ، ولا يُقهَرُ مَنِ استَتَرَ بِعَظَمَتِهِ، وَلَا يُكْدِيْ مَنْ أَذَاعَ شُكْرَ نِعمَتِهِ، وَلَا يَهلِكُ مَن تَغَمَّدَهُ بِرَحمَتِهِ، ذِي المِنَنِ الَّتِيْ لَا يُحْصِيْهَا العَادُّوْنَ، وَالنِّعَمِ الَّتِيْ لَا يُجازيهَا المُجتَهِدُونَ، وَالصَّنائِعِ الَّتي لا يَستَطيعُ دَفعَهَا الجاحِدونُ، وَالدَّلائِلِ الَّتي يَستَبصِرُ بِنورِهَا المَوجُوْدُوْنَ، أَحْمَدُهُ جَاهِراً بِحَمدِهِ، شَاكِراً لِرِفدِهِ، حَمدَ مُوَفَّقٍ لِرُشدِهِ، واثِقٍ بِوَعْدِهِ [بِعَدلِهِ]، لَهُ الشُّكرُ الدّائِمُ، وَالأَمرُ اللّازِمُ. الَلَّهُمَّ إِيَّاكَ أَسَأَلُ، وَبِكَ أَتَوَسَّلُ، وَعَلَيْكَ أَتَوَكَّلُ، وَبِفَضْلِكَ أَغْتَنِمُ، وَبِحَبلِكَ أَعْتَصِمُ، وَفِيْ رَحمَتِكَ أَرْغَبُ، وَمِنْ نَقِمَتِكَ أَرْهَبُ، وَبِعَوْنِكَ [بقوتك] أَسْتَعِيْنُ، ولعَظَمَتِكَ أَسْتَكِيْنُ.
الَلَّهُمَّ أَنْتَ الوَلِيُّ المُرْشِدُ، وَالغَنِيُّ المُرْفِدُ، وَالعَوْنُ المُؤَيِّدُ، الرَّاحِمُ الغَفورُ وَالعَاصِمُ المُجِيْرُ، وَالقَاصِمُ المُبِيْرُ، وَالخَالِقُ الحَكِيْمُ [الحَليمُ]، وَالرَّازِقُ الكَرِيمُ، وَالسَّابِقُ القَدِيْمُ، عَلِمْتَ فَخبَرتَ، وَحَلُمْتَ فَسَتَرْتَ، وَرَحِمْتَ فَغَفَرْتَ، وَعَظُمْتَ فَقَهَرْتَ، وَمَلَكْتَ فَاستَأثَرْتَ، وَأَدْرَكْتَ فَاقْتَدَرْتَ، وَحَكَمْتَ فَعَدَلْتَ، وَأَنعَمْتَ فَأَفضَلْتَ، وَأَبدَعتَ فَأَحْسَنتَ، وَصَنَعتَ فَأَتقَنتَ، وَجُدْتَ فَأَغنَيتَ، وَأَيَّدتَ فَكَفَيتَ، وَخَلَقتَ فَسَوَّيتَ، وَوَفَّقتَ فَهَدَيتَ، بَطَّنْتَ [وبطنت] الغُيُوْبَ، فَخَبَرتَ مَكْنُوْنَ أَسْرَارِهَا، وَحُلْتَ بَيْنَ القُلُوْبِ وَبَينَ تَصَرُّفِهَا عَلَى اختِيَارِهَا، فَأَيقَنَتِ البَرْايَا أنَّكَ مُدَبِّرُهَا وَخَالِقُهَا، لَا إَلَهَ إَلَّا أَنْتَ، تَعَالَيْتَ عَمَّا يَقُوْلُ الظَّالِمونَ عُلُوّاً كَبِيْرَاً.
الَلَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ وَأَنْتَ أَقْرَبُ الشَّاهِدِيْنَ، وَأُشْهِدُ مَنْ حَضَرَنِيْ مِنْ مَلَائِكَتِكَ المُقَرَّبِيْنَ، وَعِبَادِكَ الصَّالِحيْنَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِيْنَ، أَنِّيْ أَشْهَدُ بِسَرِيرَةٍ زَكِيَّةٍ، وَبَصِيْرَةٍ مِنَ الشَّكِّ بَرِيَةٍ، شَهَادَةً أَعْتَقِدُهَا بِإِخْلَاصٍ وَإِيْقَانٍ، وَأُعِدُّهَا طَمَعَاً فِي الإِخْلَاصِ وَالأَمَانِ، أُسِرُّهَا تَصدِيْقَاً بِرُبُوبِيَّتِكَ، وَأُظْهِرُهَا تَحقِيْقَاً لِوَحْدَانِيَتِكَ [و] لَا أَصُدُّ عَنْ سَبِيْلِهَا، وَلَا أُلحِدُ فِي تَأَوِيْلِهَا، أنَّكَ أَنْتَ اللهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِكَ أَحَدَاً، وَلَا أَجِدُ مِنْ دُوْنِكَ مُلتَحَدْاً، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، الوَّاحِدُ الَّذِيْ لَا يَدخُلُ فِيْ عَدَدٍ، وَالفَرْدُ الَّذِيْ لَا يُقَاسُ بِأَحَدٍ، عَلَا عَنِ المُشاكَلَةِ وَالمُناسَبَةِ، وَخَلَا مِنَ الأَوْلَادِ وَالصَّاحِبَةِ، سُبْحَانَهُ مِنْ خَالِقٍ مَا أَصْنَعَهُ، وَرَازِقٍ مَا أَوْسَعَهُ، وَقَرِيْبٍ مَا أَرْفَعَهُ، وَمُجِيْبٍ مَا أَسْمَعَهُ، وَعَزِيْزٍ مَا أَمْنَعَهُ، لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً نَبِيُّهُ المُرسَلُ، وَوَلِيُّهُ المُفَضَّلُ، وَشَهِيْدُهُ المُعَدَّلُ [المُستَعدَلُ]، المُؤَيَّدُ بِالنُّوْرِ المُضِيءِ، وَالمُسَدَّدُ بِالأَمْرِ المَرْضِيِّ، بَعَثَهُ بِالأَوَامِرِ الشَّافِيَةِ، وَالزَّواجِرِ النَّاهِيَةِ، وَالدَّلائِلِ الهَادِيَةِ الَّتِيْ أَوضَحَ بُرْهَانَها، وَشَرَحَ بَيَانَهَا [تبيانها] فِيْ كِتَابٍ مُهَيمِنٍ عَلى كُلِّ كِتابٍ، جَامِعٍ لِكُلِّ رُشدٍ وَصَوَابٍ، فِيْهِ نَبَأُ القُرُوْنِ، وَتَفْصِيْلُ الشُّؤوْنِ، وَفَرْضُ الصَّلاةِ وَالصِّيَامِ، وَالفَرْقُ بَيْنَ الحَلالِ وَالحَرامِ، فَدَعَا إِلى خَيْرِ سَبِيْلٍ، وَشَفَى مِنْ هِيَامِ العَلِيْلِ [الغَليلِ] حَتَّى عَلَا الحَقُّ وَظَهَرَ، وَزَهَقَ البَاطِلُ وَانحَسَرَ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ صَلَاةً دَائِمَةً مُمَهَّدَةً، لَا تَنْقَضِيْ لَهَا مُدَّةٌ، وَلَا يَنْحَصِرُ لَهَا عِدَّةٌ.
الَلَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ مَا جَرَتِ النُّجُوْمُ فِي الأَبْرَاجِ، وَتَلَاطَمَتِ البُحُوْرُ بِالأَمْوَاجِ، وَمَا اَدلَهَمَّ لَيْلٌ دَاجٍ، وَأَشْرَقَ نَهَارٌ ذُوْ ابْتِلَاجٍ، وَصَلِّ عَلَيهِ وَعَلِيْهِمْ [وآله] مَا تَعَاقَبَتِ الأَيَّامُ، وَتَنَاوَبَتِ الأَعْوَامُ، وَمَا خَطَرَتِ الأَوْهَامُ، وَتَدَبَّرَتِ الأَفْهَامُ، وَمَا بَقِيَ الأَنَامُ.
اللهم صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ الأَنبِياءِ وآله البَرَرَةِ الأَتقِياءِ، وعَلى عِترَتِهِ النُّجَباءِ الخيرة الأصفياء، صَلاةً مقرونة بِالتَّمامِ وَالنَّماءِ، وباقِيَةً بِلا فَناءٍ وَلا انقِضاءٍ.
الَلَّهُمَ رَبَّ العَالَمِيْنَ، وَأَحْكَمَ الحَاكِمِيْنَ، وَأَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، أَسْأَلُكَ مِنَ الشَّهَادَةِ أَقْسَطَهَا، وَمِنَ العِبَادَةِ أَنْشَطَهَا، وَمِنَ الزِّيَادَةِ أَبْسَطَهَا، وَمِنَ الكَرَامَةِ أَغْبَطَهَا، وَمِنَ السَّلَامَةِ أَحْوَطَهَا، وَمِنَ الأَعْمَالِ أَقْسَطَهَا [أوسطها]، وَمِنَ الآمَالِ أَوْفَقَهَا، وَمِنَ الأَقْوَالِ أَصْدَقَهَا، وَمِنَ المَحَالِّ أَشْرَفَهَا، وَمِنَ المَنَازِلِ أَلطَفَهَا، وَمِنَ الحِيَاطَةِ أَكْنَفَهَا، وَمِنَ الرِّعَايَةِ أَغْبَطَهَا [أعطَفَها]، وَمِنَ العِصْمَةِ أَكْفَاهَا، وَمِنَ الرَّحْمَةِ [الرّاحَةِ] أَشْفَاهَا، وَمِنَ النِّعمَةِ أَوْفَاهَا، وَمِنَ الهِمَمِ أَعْلَاهَا، وَمِنَ القِسَمِ أَسْنَاهَا، وَمِنَ الأَرْزَاقِ أَغْزَرَهَا، وَمِنَ الأَخْلَاقِ أَطْهَرَهَا، وَمِنَ المَذَاهِبِ أَقْصَدَهَا، وَمِنَ العَوَاقِبِ أَحْمَدَهَا، وَمِنَ الامُوْرِ أَرْشَدَهَا، وَمِنَ التَّدَابِيْرِ أَوْكَدَهَا، وَمِنَ الجُدُوْدِ أَسْعَدَهَا، وَمِنَ الشُّؤوْنِ أَعْوَدَهَا، وَمِنَ الفَوَائِدِ أَرْجَحَهَا، وَمِنَ العَوَائِدِ أَنْجَحَهَا، وَمِنَ الزِّيَادَاتِ أتَمَّهَا، وَمِنَ البَرَكَاتِ أَعَمَّهَا، وَمِنَ الصَّالِحَاتِ أَعْظَمَهَا.
الَلَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَ لُكَ قَلْبَاً خَاشِعَاً زَكِيّاً، وَلِسَانَاً صَادِقَاً عَلِيّاً، وَرِزْقَاً وَاسِعَاً هَنيِئَاً، وَعَيْشَاً رَغَدْاً مَرِيّاً، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ ضَنَكِ المَعَاشِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ سَاعٍ وَوَاشٍ، وَغَلَبَةِ الأَضْدَادِ وَالأَوْبَاشِ، وَكُلِّ قَبِيْحٍ بَاطِنٍ أَوْ فَاشٍ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ دُعَاءٍ مَحْجُوْبٍ، وَرَجَاءٍ مَكْذُوْبٍ، وَحَيَاءٍ مَسْلُوْبٍ، وإخَاءٍ مَعْبُوبٍ وَاحْتِجَاجٍ مَغْلُوْبٍ، وَرَأيٍ غَيْرِ مُصِيْبٍ.
الَلَّهُمَ أَنْتَ المُسْتَعَانُ وَالمُسْتَعَاذُ، وَعَلَيْكَ المُعَوَّلُ وَبِكَ المَلَاذُ [المعاذ]، فَأَنِلْنِيْ لَطَائِفَ مَنِّكَ [مِنَنِكَ] فَإِنَّكَ لَطِيْفٌ، وَلَا تَبْلِنِيْ [تبتلني] بِمِحَنِكَ فَإِنّي ضَعِيْفٌ، وَتَوَلَّنِيْ بِعَطْفِ تَحَنُّنِكَ [محبتك] يَا رَؤُوفُ يَا مَن آوَى [أدنى] المُنقَطِعِيْنَ إِلَيهِ، وَأَغْنَى المُتَوَكِّلينَ عَلَيهِ، جُد بِغِنَاكَ على فَاقَتِيْ، وَلَا تُحَمِّلنِيْ فَوْقَ طَاقَتِيْ. الَلَّهُمَّ اجْعَلْنِيْ مِنَ الَّذينَ جَدّوا فِيْ قَصْدِكَ فَلَمْ يَتكِلُوْا [ينكلوا]، وَسَلَكُوْا الطَّرِيْقَ إِلَيْكَ فَلَمْ يَعْدِلُوا، وَاعتَمَدُوا عَلَيْكَ فِيْ الوُصُوْلِ حَتّى وَصَلُوْا، فَرَوِيْتَ قُلُوْبُهُمْ مِنْ مَحَبَّتِكَ، وَآنسَتْ نُفُوْسُهُمْ بِمَعْرِفَتِكَ، فَلَمْ يَقطَعْهُمْ عَنْكَ قَاطِعٌ، وَلَا مَنَعَهُمْ عَنْ بُلُوْغِ مَا أمَّلُوْهُ لَدَيْكَ مَانِعٌ، فَهُمْ فِيْ مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُوْنَ، لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِيْ كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.
الَلَّهُمَّ لَكَ قَلْبِيْ وَلِسَانِيْ، وَبِكَ نَجَاتِيْ وَأَمَانِيْ، وَأَنْتَ العَالِمُ بِسِرّي وَإِعْلَانِيْ، فَأَمِتْ قَلْبِيْ عَنْ البَغْضَاءِ، وَأَصْمِتْ لِسَانِيْ عَنِ الفَحَشَاءِ، وَأَخْلِصْ سَرِيْرَتِيْ [وعلانيتي] عَنْ [من] عَلَائِقِ الأَهْوَاءِ، وَاكْفِنِيْ [واكنفني] بِأَمَلِكَ مِنْ عَوَائِقِ الضَّرَّاءِ، وَاجْعَلْ سِرِّيْ مَعْقُوْدَاً عَلى مُرَاقَبَتِكَ، وَإِعْلَانِيْ مُوَافِقَاً لِطَاعَتِكَ، وَهَبْ لِيْ جِسْمَاً رَوْحَانِيّاً، وَقَلْبَاً سَمَاوِيَّاً، وَهِمَّةً مُتَّصِلَةً بِكَ، وَيَقِيْنَاً صَادِقَاً فِيْ حُبِّكَ، وَأَلهِمْنِيْ مِنْ مَحَامِدِكَ أمْدَحَهَا، وَهَبْ لِيْ مِنْ فَوَائِدِكَ أسْمَحَهَا، إِنَّكَ وَلِيُّ الحَمْدِ، وَالمُسْتَوْلِيْ عَلَى المَجْدِ.
يَا مَنْ لَا يُنْقِصُ مَلَكُوْتَهُ عِصْيَانُ المُتَمَرِّدِيْنَ، وَلَا يَزِيْدُ جَبَرُوْتَهُ إِيْمَانُ المُوَحِّدِيْنَ، إِلَيْكَ أَسْتَشْفِعُ بِقَدِيْمِ كَرَمِكَ، أَنْ لَا تَسْلُبَنِيْ مَا مَنَحْتَنِيْ مِنْ جَسِيْمِ نِعَمِكَ، وَاصْرِفْنِيْ بِحُسْنِ نَظَرِكَ لِيْ عَنْ وَرْطَةِ المَهَالِكَ، وَعَرِّفْنِيْ بِجَمِيْلِ اخْتِيَارِكَ لِيْ مُنْجِيَاتِ المَسَالِكِ، يَا مَنْ قَرُبَتْ رَحمَتُهُ مِنَ المُحْسِنِيْنَ، وَأَوْجَبَ عَفْوَهُ لِلأَوَّابِيْنَ، بَلِّغْنَا بِرَحمَتِكَ غَنَائِمَ البِرِّ وَالإِحْسَانِ، وَجَلِّلْنَا بِنِعمَتِكَ مَلَابِسَ العَفْوِ وَالغُفْرَانِ، وَأَصْحِبْ رَغَبَاتِنَا بِحَيَاءٍ يَقْطَعُهَا عَنِ الشَّهَوْاتِ، وَاحْشُ قُلُوْبَنَا نُوْرَاً يَمْنَعُهَا مِنَ الشُّبُهَاتِ وَأَوْزِعْ [وأَودِع] نُفُوْسَنَا خَوْفَ المُشْفِقِيْنَ مِنْ سُوْءِ الحِسَابِ، وَرَجَاءَ الوَاثِقِيْنَ بِتَوْفِيْرِ الثَّوَابِ، فَلَا تَغْتَرَّ [نَغتَرَّ] بِالإِهْمَالِ [بِالإِمهالِ]، وَلَا تُقَصِّرَ [نُقَصِّرَ] فِيْ صَالِحِ الأَعْمَالِ، وَلَا تَفْتُرَ [نَفتُرَ] مِنَ التَّسْبِيْحِ بِحَمْدِكَ فِيْ الغُدُوِّ وَالآصَالِ. يَا مَنْ آنَسَ العَارِفِيْنَ بِطِيْبِ [بطول] مُنَاجَاتِهِ، وَأَلبَسَ الخَاطِئِيْنَ ثَوْبَ مُوَّالَاتِهِ، مَتَى فَرِحَ مَنْ قَصَدَتْ سِوَاكَ هِمَّتُهُ؟! وَمَتَى اسْتَرَاحَ مَنْ أَرَادَتْ غَيرَكَ عَزِيْمَتُهُ؟! وَمَنْ ذَا الَّذِيْ قَصَدَكَ بِصِدْقِ الإِرَادَةِ فَلَمْ تُشَفِّعْهُ فِيْ مُرَادِهِ؟! أَمْ مَنْ ذَا الَّذِيْ اعْتَمَدَ عَلَيْكَ فِيْ أَمْرِهِ فَلَمْ تَجُدْ بِإِسْعَادِهِ؟! أَمْ مَنْ ذَا الَّذِيْ اسْتَرْشَدَكَ فَلَمْ تَمنُنْ بِإِرْشَادِهِ؟!
الَلَّهُمَّ عَبْدُكَ الضَّعِيْفُ الفَقِيْرُ، وَمِسْكِيْنُكَ اللهِيْفُ المُسْتَجِيْرُ، عَالِمٌ أَنَّ فِيْ قَبْضَتِكَ أَزِمَّةَ التَّدْبِيْرِ، وَمَصَادِرَ المَقَادِيْرِ عَنْ إِرَادَتِكَ، وَأَنْتَ [وأَنَّكَ قد] أَقَمْتَ بِقُدْسِكَ حَيَاةَ كُلِّ شَيءٍ [حياة لكل شيء] وَجَعَلتَهُ [وجعلتها] نَجَاةً لِكُلِّ حَيٍّ، فَارْزُقْهُ مِنْ حَلَاوَةِ مُصَافَاتِكَ مَا يَصِيْرُ بِهِ إِلى مَرْضَاتِكَ، وَهَبْ لَهُ مِنْ خُشُوْعِ التَّذَلُّلِ وَخُضُوْعِ التَّقَلُّلِ [التبتل] فِيْ رَهْبَةِ [ورهبة] الإِخْبَاتِ، وَسَلَامَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، مَا تُحضِرُهُ بِهِ كِفَايَةَ المُتَوَكِّلِيْنَ، وَتُميْرُهُ بِهِ رِعايَةَ المَكْفُوْليْنَ، وَتُعِيْرُهُ بِهِ وِلَايَةَ المُتَّصِلِيْنَ المَقْبُوْلِيْنَ.
يَا مَنْ هُوَ أبَرُّ بِيْ مِنَ الوَالِدِ الشَّفَيْقِ، وَأَقْرَبُ إِلَيَّ مِنَ الصَّاحِبِ اللَّزِيْقِ [الرفيق]، أَنْتَ مَوْضِعُ أُنْسِيْ فِيْ الخَلْوَةِ إِذَا أَوْحَشَنِيْ المَكَانُ، وَلَفَظَتْنِيْ الأَوْطَانُ، وَفَارَقَتْنِيْ الأُلَّافُ [الأهل] وَالجِيْرَانُ، وَانْفَرَدْتُ فِيْ مَحَلٍّ ضَنْكٍ، قَصِيْرِ السَّمْكِ، ضَيِّقِ المَخْرَجِ [الضريح]، مُطْبَقِ الصَّفِيْحِ، مَهُوْلٍ مَنْظَرُهُ، ثَقِيْلٍ مَدَرُهُ، مُسْتَقِلَّةٍ [مخلاة] بِالوَحْشَةِ عَرْصَتُهُ، مُغَشَّاةٍ [مستغشاة] بِالظُّلْمَةِ، سَاحَتُهُ عَلَى غَيْرِ مِهَادٍ وَلَا وِسَادٍ، وَلَا تَقْدِمَةِ زَادٍ وَلَا اعْتِدَادٍ لِمَعَادٍ، فَتَدَارَكْنِيْ بِرَحْمَتِكَ الَّتِيْ وَسِعَتِ الأَشْيَاءَ أَكْنَافَهَا، وَجَمَعَتِ الأَحْيَاءُ أَطْرَافَهَا، وَعَمَّتِ البَرَايَا أَلطَافُهَا، وَعُدْ عَلَيَّ بِعَفْوِكَ يَا كَرِيْمُ، وَلَا تُؤاخِذْنِيْ بِجَهْلِيْ يَا رَحِيْمُ.
الَلَّهُمَّ ارْحَمْ مَنِ اكْتَنَفَتْهُ سَيِّئَاتُهُ، وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيْئَاتُهُ، وَحَفَّتْ بِهِ جِنَايَاتُهُ، بِعَفْوِكَ ارْحَمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنْ عَمَلِهِ شَافِعٌ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ عَذَابِكَ مَانِعٌ، ارْحَمْ الغَافِلَ عَمّا أَضَلَّهُ، وَالذَّاهِلَ عَنِ الأَمْرِ الَّذِيْ خُلِقَ لَهُ، ارْحَمْ مَنْ نَقَضَ العَهْدَ وَغَدَرَ، وَعَلى مَعْصِيَتِكَ انْطَوَى وَأَصَرَّ، وَجَاهَرَكَ بِجَهلِهِ وَمَا اسْتَتَرَ، ارْحَمْ مَنْ أَلقَى عَنْ رَأَسِهِ [وجهه] قِنَاعَ الحَيَاءِ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ [رأسه] جِلْبَابَ الأَتْقِيَاءِ، وَاجْتَرَأَ عَلى سَخَطِكَ بِارْتِكَابِ الفَحْشَاءِ، فَيَا مَنْ لَمْ يَزَلْ عَفُوّاً غَفُوْرَاً [غَفّاراً]، ارْحَمْ مَنْ لَمْ يَزَلْ مسقْطَاً عَثَّارَاً.
الَلَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ مِا مَضَى مِنِّيْ، وَاخْتِمْ لِيْ بِمَا تَرْضَى بِهِ عَنِّيْ، وَاعْقُدْ عَزَائِمِيْ عَلَى تَوبَةٍ بِكَ مُتَّصِلَةٍ، وَلَدَيْكَ مُتَقَبَّلَةٍ، تُقِيْلُنِيْ بِهَا عَثَرَاتِيْ، وَتَسْتُرُ بها عَوْرَاتِيْ، وَتَرْحَمُ بِهَا عَبَرَاتِيْ، وَتُجِيْرُنِيْ بِهَا إِجَارَةً مِنْ مَعَاطِبِ انْتِقَامِكَ، وَتُنِيْلُنِيْ بِهَا المَسَرَّةَ بِمَوَاهِبِ إِنْعَامِكَ، يَوْمَ تَبْرُزُ الأَخْبَارُ، وَتَعْظُمُ الأَخْطَارُ، وَتُبْلَى الأَسْرَارُ، وَتُهْتَكُ الأَسْتَارُ، وَتَشْخَصُ القُلُوْبُ وَالأَبْصَارُ، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ إنَّكَ مَعدِنُ الآلَاءِ وَالكَرَمِ، وَصَارِفُ اللأواء وَالنِّقَمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، عَلَيْكَ أَعْتَمِدُ، وَبِكَ أَسْتَعِيْنُ، وَأَنْتَ حَسْبِيْ، وَكَفَى بِكَ وَكِيْلَاً.
يَا مَالِكَ خَزْائِنِ الأَقْوَاتِ، وَيَا فَاطِرَ [وفاطِرَ] أَصْنَافِ البَرِيَّاتِ، وَخَالِقَ سَبْعِ طَرَائِقَ مَسْلُوْكَاتٍ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ أَرَضِيْنَ مُذَلَّلَاتٍ، العَالِيْ فِيْ وَقَارِ العِزِّ وَالمِنْعَةِ، وَالدَّائِمُ فِيْ كِبْرِيَاءِ الهَيْبَةِ وَالرِّفْعَةِ، وَالجَوَادِ بِنَيلِهِ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ سَعَةٍ، لَيْسَ لَهُ حَدٌّ وَلَا أَمَدٌ، وَلَا يُدِرِكُهُ تَحْصِيْلٌ وَلَا عَدَدٌ، وَلَا يُحِيْطُ بِوَصْفِهِ أَحَدٌ.
الحَمْدُ للهِ خَالِقِ أَمْشَاجِ [أشباح] النَّسَمِ، وَمُوْلِجِ الأَنْوَارِ فِيْ الظُّلَمِ، وَمُخْرِجِ المَوْجُوْدِ مِنَ العَدَمِ، وَالسَّابِقِ الأَزَلِيَّةِ بِالقِدَمِ، وَالجَوَادِ عَلَى الخَلقِ بِسَوَابِغِ النِّعَمِ، وَالعَوَّادِ عَلَيْهِمْ بِالفَضْلِ وَالكَرَمِ، الَّذِيْ لَا يُعجِزُهُ كَثرَةُ الإِنْفَاقِ، وَلَا يُمْسِكُ خَشْيَةَ الإِمْلَاقِ، وَلَا يَنقُصُهُ إِدْرَارُ الأَرْزَاقِ، وَلا يُدْرَكُ بِأَنَاسِيِّ الأَحْدَاقِ، وَلَا يُوْصَفُ بِمُضَامَّةٍ [بمصاحبة] وَلَا افْتِرَاقٍ، أَحْمَدُهُ عَلَى جَزِيْلِ إِحْسَانِهِ، وَأَعُوْذُ بِهِ مِنْ حُلُوْلِ خِذْلَانِهِ، وَأَسْتَهْدِيهِ بِنُوْرِ بُرْهَانِهِ، وَاُؤمِنُ بِهِ حَقَّ إِيْمَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، الَّذِيْ عَمَّ الخَلائِقَ جَدْوَاهُ، وَتَمَّ حُكْمُهُ فَيْمَنْ أَضَلَّ مِنْهُمْ وَهَدَاهُ، وَأَحَاطَ عِلْمَاً بِمَنْ أَطَاعَهُ مِنْهُمْ وَعَصَاهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى المُلْكِ بِعِزِ أبَدٍ فَحَوْاهُ، فَسَبَّحَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَأَكْنَافُهَا، وَالأَرْضُ وَأَطْرَافُهَا، وَالجِبَالُ وَأَعْرَافُهَا [وأعراقها]، وَالشَّجَرُ وَأَغْصَانُهَا، وَالبِحَارُ وَحِيْتَانُهَا، وَالنُّجُوْمُ فِيْ مَطَالِعِهَا، وَالأَمْطَارُ فِيْ مَوَاقِعِهَا، وَوُحُوْشُ الأَرْضِ وَسِبَاعُهَا، وَوِهَادُهَا وَبِقَاعُهَا، وَمَدَدُ [مدرُ] الأَنْهَارِ وَأَمْوَاجُهَا، وَعَذْبُ المِيَاهِ وَأُجَاجُهَا، وَهُبُوْبُ الرِّيَاحِ [الريح] وَعَجَاجُهَا، وَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ وَصْفٌ أَوْ تَسْمِيْةٌ [وتَسمِيَةٌ]، أَوْ يُدْرِكُهُ حَدٌّ [يَحويهِ] مِمّا يُتَصَوَّرُ فِي الفِكْرِ، أَوْ يُتَمَثَّلُ بِجِسْمٍ [وكل ما وقع عليه وهم أو حس، أو حواه نوع أو جنس، مما يتصور في فكر، أو يعرف بحد،] أَوْ قَدَرٍ، أَوْ يُنْسَبُ إِلى عَرَضٍ أَوْ جَوْهَرٍ، مِنْ صَغيرٍ حَقِيْرٍ، أَوْ كَبِيْرٍ خَطِيْرٍ، مُقِرًّاً لَهُ بِالعُبُوْدِيَّةِ، خَاشِعَاً مُعْتَرِفَاً لَهُ بَالوِحْدَانِيْةِ [بالربوبية]، طَائِعَاً مُسْتَجِيْبَاً لِدَعْوَتِهِ، خَاضِعَاً [سامعاً] مُتَضَرْعَاً لِمَشِيَتِهِ [متصرفاً بمشيته] مُتَوَاضِعَاً، لَهُ المُلْكُ الَّذِيْ لَا نَفَادَ لِدَيْمُوْمِيَّتِهِ، وَلَا انْقِضَاءَ لِعِدَّتِهِ [لمدته].
وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ الكَرِيْمُ، ورَسُوْلُهُ الطَّاهِرُ المَعْصُوْمُ، بَعَثَهُ وَالنَّاسُ فِيْ غَمْرَةِ الضَّلَالَةِ سَاهُوْنَ، وَفِيْ غِرَّةِ الجَهَالَةِ لَاهُوْنَ، لَا يَقُوْلُونَ صِدْقَاً وَلَا يَسْتَعْمِلُوْنَ [يعملون] حَقَّاً، قَدْ اكْتَنَفَتْهُمُ القَسْوَةُ، وَحَقَّتْ عَلَيْهِمُ الشِّقْوَةُ، إِلَّا مَنْ أَحَبَّ اللهُ إِنْقَاذَهُ، وَرَحِمَهُ وَأَعَانَهُ، فَقَامَ مُحَمَّدٌ صَلَوْاتُ اللهِ عَلَيهِ وَآلهِ [صلى الله عليه وآله] فِيْهِمْ مُجِدَّاً فِيْ إِنْذَارِهِ، مُرْشِدَاً لِأَنْوَارِهِ، بِعَزْمٍ ثَاقِبٍ، وَحُكْمٍ وَاجِبٍ، حَتَّى تَأَلَّقَ شِهَابُ الإِيْمَانِ، وَتَفَرَّقَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، وَأَعَزَّ اللهُ جُنْدَهُ، وَعُبِدَ وَحْدَهُ، ثُمَّ اخْتَارَهُ اللهُ فَرَفَعَهُ إِلى رَوْحِ جَنَّتِهِ وَفَسِيْحِ كَرَامَتِهِ، فَقَبَضَهُ تَقِيَّاً زَكِيَّاً رَاضِيِّاً مَرْضِيَّاً طَاهِراً نَقِيَّاً، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا، لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلى آلِهِ وَأَقرَبيهِ، وَذَوِي رَحِمِهِ وَمَوَاليْهِ، صَلَاةً جَلِيْلَةً جَزِيْلَةً، مَوْصُوْلَةً مَقْبُوْلَةً، لَا انْقِطَاعَ لِمَزيدِهَا، وَلَا اتِّضاعَ لِمَشيْدِها، وَلَا امْتِنَاعَ لِصُعُودِهَا، تَنْتَهِيْ إِلى مَقَرِّ أَرْوَاحِهِمْ، وَمَقَامِ فَلَاحِهِمْ، فَيُضَاعِفُ اللهُ لَهُمْ تَحِيَّاتِهَا، وَيُشَرِّفُ لَدَيهِمْ صَلَوَاتِهَا، فَتَتَلَقّاهُمْ مَقْرُوْنَةً بِالرَّوْحِ وَالسُّرُوْرِ، مَحفُوْفةً بِالنَّضَارَةِ وَالنُّوْرِ، دَائِمَةً بِلَا فَنَاءٍ [نفاد] وَلَا فُتُوْرٍ.
الَلَّهُمَّ اجْعَلْ أَكْمَلَ صَلَواتِكَ وَأَشرَفِهَا، وَأَجمَلَ تَحِيَّاتِكَ وَأَلطَفِهَا، وَأَشْمَلَ بَرَكَاتِكَ وَأَعطَفِهَا، وَأَجَلَّ هِبَاتِكَ وَأَرَأَفِهَا، عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَأَكرَمِ المرسلين المبعوث في الأمِّيَّينَ، وَعَلى أَهَلِ بَيتِهِ الأَصْفِيَاءِ الطَّاهِرِيْنَ، وَعِترَتِهِ النُّجَبَاءِ المُخْتَارِيْنَ، وَشِيْعَتِهِ الأَوْفِيَاءِ المُوَازِرِيْنَ، مِنْ أَنْصَارِهِ وَالمُهَاجِرِيْنَ، وَأَدْخِلْنَا فِيْ شَفَاعَتِهِ يَوْمَ الدِّيْنِ، مَعَ مَنْ دَخَلَ فِيْ زُمْرَتِهِ مِنَ المُوَحِّدِيْنَ، يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِيْنَ، وَ [يا] أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.
الَلَّهُمَّ أَنْتَ المَالِكُ [المَلِكُ] الَّذِيْ لَا يُملَكُ [لا يهلك]، وَالوَاحِدُ الَّذِيْ لَا شَرِيْكَ لَكَ، يَا سَامِعَ السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَيَا دَافِعَ الضُّرِّ وَالبَلْوَى، وَيَا كَاشِفَ العُسْرِ وَالبُؤسَى، وَقَابِلَ العُذْرِ وَالعُتْبَى، وَمُسْبِلَ السِّتْرِ عَلَى الوَرَى، جَلِّلْنِيْ مِنْ رَأفَتِكَ [بأمن] بِأَمْرٍ وَاقٍ، وَاشْمِلْنِيْ [وسَمِّني] مِنْ رِعَايَتِكَ بِرُكْنٍ بَاقٍ، وَأَوْصِلْنِيْ بِعِنَايَتِكَ إِلى غَايَةِ السِّبَاقِ، وَاجْعَلنِيْ بِرَحمَتِكَ مِنْ أَهْلِ الرِّعَايَةِ لِلمِيْثَاقِ، وَاعْمُرْ قَلْبِيْ بِخَشْيَةِ ذَوِيْ الإِشْفَاقِ، يَا مَنْ لَمْ يَزَلْ فِعلُهُ بِيْ حَسَنَاً جَمِيْلًا، وَلَمْ يَكُنْ بِسَتْرِهِ عَلَيَّ بَخِيْلًا، وَلَا بِعُقُوْبَتِهِ عَلَيَّ عَجُوْلاً، أَتْمِمْ عَلَيَّ مَا ظَاهَرْتَ مِنْ تَفَضُّلِكَ، وَلَا تُؤآخِذْنِيْ بِمَا سَتَرْتَ عَلَيَّ عِنْدَ نَظَرِكَ [بما سترت بتطولك].
سَيِّدي، كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ ظَلِلْتُ لِأَنِيقِ بَهجَتِهَا لَابِسَاً، وَكَمْ أَسْدَيْتَ عِنْدِيْ مِنْ يَدٍ قَد طَفِقْتُ بِهِدايَتِهَا مُنَافِسَاً، وَكَمْ قَلَّدَتْنِيْ مِنْ مِنَّةٍ ضَعُفَتْ قِوَايَ عَنْ حَملِهَا، وَذَهِلَتْ فِطْنَتِيْ عَنْ ذِكْرِ فَضْلِهَا، وَعَجَزَ شُكْرِيْ عَنْ جَزَائِهَا، وَضِقْتُ ذَرْعَاً بِإِحْصَائِهَا، قَابَلتُكَ فِيْهَا بِالعِصْيَانِ، وَنَسِيْتُ شُكْرَ مَا أُولَيْتَنِيْ فَيْهَا مِنَ الإِحْسَانِ، فَمَنْ أَسْوَأُ حَالَاً مِنِّيْ إِنْ لَمْ تُدَارِكْنِيْ [تتداركني] بِالغُفْرَانِ، وَتُوْزِعَنِيْ شُكْرَ مَا اصْطَنَعْتَ عِنْدِيْ مِنْ فَوَائِدِ الامْتِنَانِ؟ فَلَسْتُ مُسْتَطِيْعَاً لِقَضَاءِ حُقُوْقِكَ إِنْ لَمْ تُؤَيِّدْنِيْ بِصِحَةِ [بصحبة] تَوْفِيْقِكَ.
سَيِّدي، لَولَا نُوْرُكَ عَمِيْتُ عَنِ الدَّلِيْلِ، وَلَوْلَا تَبْصِيْرُكَ ضَلَلْتُ عَنِ السَّبِيْلِ، وَلَوْلَا تَعْرِيْفُكَ لَمْ اُرْشَدْ لِلْقَبُوْلِ، وَلَوْلَا تَوْفِيْقُكَ لَمْ أَهْتَدِ إِلى مَعْرِفَةِ التَّأَوِيْلِ، فَيَا مَنْ أَكْرَمَنِيْ بِتَوِحِيْدِهِ، وَعَصَمَنِيْ مِنْ [عَنِ] الضَّلَالِ [الضلالة] بِتَسْدِيْدِهِ، وَأَلزَمَنِيْ إِقَامَةَ حُدُوْدِهِ، لَا تَسْلُبْنِيْ مَا وَهَبْتَ لِي مِنْ تَحْقِيْقِ مَعْرِفَتِكَ، وَاحْبُنِيْ [وأَحيِني] بِيَقِيْنٍ أَسْلَمُ بِهِ مِنَ الإِلحَادِ فِيْ صِفَتِكَ.
يَا خَيْرَ مَنْ رَجَاهُ الرَّاجُوْنَ، وَأَرْأَفَ مَن لَجَأَ إِلَيْهِ اللَّاجِؤُنَ، وَأَكرَمَ مَنْ قَصَدَهُ المُحْتَاجُوْنَ، ارْحَمْنِيْ إِذَا انْقَطَعَ مَعْلُوْمُ عُمُري، وَدُرِسَ [واندرس] ذِكْرِيْ وَانْمَحَى أَثَرِيْ وَبُوِّئتُ [وثيت] فِيْ الضَّرِيْحِ مُرْتَهَنَاً بِعَمَلِيْ، مَسؤوَلًا عَمَّا أَسْلَفْتُهُ مِنْ فَارِطِ زَلَلِيْ، مَنْسِيَّاً كَمَنْ نُسِيَ مِنَ [فِي] الأَمْوَاتِ مِمَّنْ كَانَ قَبْلِيْ.
رَبِّ، سَهِّل لِي تَوبَةً إِلَيكَ وَأَعِنِّي عَلَيْهَا، وَاحْمِلْنِيْ عَلَى مَحَجَّةِ الإِخْبَاتِ لَكَ، وَأَرْشِدْنِيْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ الحَوْلَ وَالقُوَّةَ بِمَعُوْنَتِكَ، وَالثَّبَاتَ وَالانْتِقَالَ بِقُدْرَتِكَ، يَا مَنْ هُوَ أَرْحَمُ لِيْ [بي] مِنَ الوَالِدِ الشَّفِيْقِ، وَأَبَرُّ بِي مِنَ الوَلَدِ الرَّفِيْقِ، وَأَقْرَبُ إِلَيَّ مِنَ الجَارِ اللَّصِيْقِ، قَرِّبْ الخَيرَ مِنْ مُتَنَاوَلِي، وَاجْعَلْ الخِيَرَةَ التَّامَةَ [العامَّةَ] فِيْمَا قَضَيْتَ لِيْ، وَاخْتِمْ بِالبِرِّ وَالتَّقْوَى عَمَلِيْ، وَأَجِرْنِيْ مِنْ كُلِّ عَائِقٍ يَقْطَعُنِيْ عَنْكَ، وَكُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ يُبَاعِدُنِيْ مِنْكَ، وَارْحَمْنِيْ رَحمَةً تَشْفِيْ بِهَا قَلْبِيْ مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ مُعتَرِضَةٍ، وَبِدْعَةٍ مُمْرِضَةٍ.
سَيِّدِيْ، خَابَ رَجَاءُ مَنْ رَجَا سِوَاكَ، وَظَفِرَت يَدَا [يد] مَنْ بِحَاجَتِهِ نَاجَاكَ، وَضَلَّ مَنَ يَدْعُوْ العِبَادَ لِكَشْفِ ضُرِّهِ إَلَّا إِيَّاكَ، أَنْتَ المُؤَمَّلُ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَالمَفزَعُ فِي كُلِّ كُرْبَةٍ وَضَرّاءَ، وَالمُسْتَجَارُ بِهِ مِنْ كُلِّ فَادِحَةٍ وَلَأواءٍ، لَا يَقْنَطُ مِنْ رَحمَتِكَ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ، وَلَا يَيَأَسُ مِنْ رَوْحِكَ [منك] إِلَّا مَنْ عَصَى وَأَصَرَّ، أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، تَوَفَّنِيْ مُسْلِمَاً وَأَلحِقْنِيْ بِالصَّالِحِيْنَ.
يَا مَنْ لَا يَحْرِمُ زُوَّارَهُ عَطَايَاهُ، وَلَا يُسْلِمُ مَنْ اسْتَجَارَهُ وَاسْتَكْفَاهُ، أَمَلِيْ وَاقِفٌ عَلَى جَدْوَاكَ، وَوَجْهُ طَلِبَتِيْ مُنْصَرِفٌ عَنْ [عَمَّن] سِوَاكَ، وَأَنْتَ المَلْيءُ [المليُّ] بِتَيْسِيْرِ الطَّلِبَاتِ، وَالوَفِيُّ بِتَكْثِيْرِ الرَّغَبَاتِ، فَأَنْجِحْ لِيَ المَطْلُوْبَ مِنْ فَضْلِكَ بِرَحمَتِكَ، وَاسْمَحْ لِي بِالمَرْغُوْبِ فِيْهِ مِنْ بَذْلِكَ بنِعْمَتِكَ. سَيِّدِيْ، ضَعُفَ جِسْمِيْ، وَدَقَّ عَظْمِيْ، وَكَبُرَ سِنِّيْ، وَنَالَ الدَّهْرُ مِنِّي، وَنَفَدَتْ مُدَّتِيْ، وَذَهَبَتْ شَهْوَتِيْ [شهواتي]، وَبَقِيَتْ تَبِعَتِيْ، فَجُدْ بِحِلْمِكَ عَلَى جَهْلِيْ، وَبِعَفْوِكَ عَلَى قَبِيْحِ فِعْلِيْ، وَلَا تُؤاخِذْنِيْ بِمَا كَسَبْتُ مِنَ الذُّنُوبِ العِظَامِ فِي سَالِفِ الأَيَّامِ.
سَيِّدِيْ، أنَا المُعْتَرِفُ بِإِسَاءَتِيْ، المُقِرُّ بِخَطَائِيْ، المَأَسُوْرُ بِإِجْرَامِيْ، المُرْتَهَنُ بِآثَامِيْ، المُتَهَوِّرُ بِإِسَاءَتِيْ، المُتَحَيِّرُ عَنْ قَصْدِ طَرِيْقِيْ، انْقَطَعَتْ مَقَالَتِيْ، وَضَلَّ عُمُرِيْ، وَبَطَلَتْ حُجَّتِيْ فِيْ عَظِيْمِ وِزْرِيْ، فَامْنُنْ عَلَيَّ بِكَرِيْمِ غُفْرَانِكَ، وَاسْمَحْ لِي بِعَظِيْمِ إِحْسَانِكَ، فَإِنَّكَ ذُوْ مَغْفِرَةٍ لِلطَّالِبِيْنَ، شَدِيْدُ العِقَابِ لِلمُجْرِمِيْنَ.
سَيِّدِيْ، إِنْ كَانَ صَغُرَ فِيْ جَنْبِ طَاعَتِكَ عَمَلِيْ، فَقَدْ كَبُرَ فِيْ جَنْبِ رَجَائِكَ أَمَلِيْ.
سَيِّدِي، كَيْفَ أَنْقَلِبُ مِنْ عِندِكَ بِالخَيْبَةِ مَحْرُوْمَاً، وَظَنِّيْ بِكَ أَنَّكَ تَقْلِبُنِيْ بِالنَّجَاةِ مَرْحُوْمَاً؟!
سَيِّدِيْ، لَمْ اسَلِّطْ عَلَى حُسْنِ ظَنِّيْ بِكَ قُنُوْطَ الآيِسِيْنَ، فَلَا تُبْطِلْ لِيْ صِدْقَ رَجَائِيْ لَكَ فِي الآمِلِيْنَ.
سَيِّدِيْ، عَظُمَ جُرْمِيْ إِذْ بَارَزتُكَ بِاكْتِسَابِهِ، وَكَبُرَ ذَنْبِيْ إِذْ جَاهَرْتُكَ بِارتِكَابِهِ، إِلَّا أَنَّ عَظِيْمَ عَفْوِكَ يَسَعُ المُعْتَرِفِيْنَ، وَجَسِيْمَ غُفْرَانِكَ يَعُمُّ التَّوَّابِيْنَ.
سَيِّدِيْ إِنْ [إذا] دَعَانِيْ إِلَى النَّارِ مَخشِيُّ عِقَابِكَ، فَقَدْ دَعَانِيْ إِلَى الجَنَّةِ مَرْجُوُّ ثَوَابِكَ.
سَيِّدِيْ، إِنْ أَوْحَشَتْنِيْ الخَطَايَا عَنْ [مِن] مَحَاسِنِ لُطْفِكَ، فَقَدْ آنَسَنِيْ اليَقِيْنُ بِمَكَارِمِ عَطْفِكَ، وَإِنْ أَنَامَتْنِيْ الغَفْلَةُ عَنْ الاستِعْدَادِ لِلِقَائِكَ، فَقَدْ أَيْقَظَتْنِيْ المَعْرِفَةُ بِقَدِيْمِ آلائِكَ، وَإِنْ عَزُبَ لُبِي عَن تَقْدِيمِ مَا يُصْلِحُنِي [وإن عَزَبَ عَني تَقديمٌ لِما يُصلِحُني] فَلَمْ يَعْزُبْ إِيْقَانِيْ بِنَظَرِكَ إِلَيَّ فِيْمَا يَنْفَعُنِيْ، وَإِنْ انْقَرَضَتْ بِغَيْرِ مَا أَحْبَبْتَ [أوجبت] مِنَ السَّعْيِ أَيَّامِيْ، فَبِالإِيْمَانِ أَمْضَيِتُ السَّالِفَاتِ مِنْ أَعْوَامِيْ.
سَيِّدِيْ، جِئْتُ [جئتك] مَلْهُوْفَاً قَدْ لَبِسْتُ عُدْمَ فَاقَتِيْ، وَأَقَامَنِيْ مُقَامَ الأَذِلَّاءِ بَيْنَ يَدَيْكَ ضُرُّ حَاجَتِيْ.
سَيِّدِيْ، كَرُمْتَ بِكَرَمِكَ فَأَكْرِمْنِيْ إِذْ كُنْتُ مِنْ سُؤَّالِكَ، وَجُدْتَ بِمَعْرُوْفِكَ فَاخْلُطْنِيْ [فألحقني] بِأَهْلِ نَوَالِكَ.
الَلَّهُمَّ ارْحَمْ مِسْكِيْنَاً لَا يُجِيْرُهُ إِلَّا عَطَاؤُكَ، وَفَقِيْرَاً لَا يُغْنِيْهِ إِلَّا جَدَاكَ [جدواك].
سَيِّدِيْ، أَصْبَحْتُ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ مِنَحِكَ سَائِلَاً، وَعَنْ التَّعَرُّضِ لِسِوَاكَ عَادِلَاً وَلَيْسَ مِنْ جَمِيْلِ امْتِنَانِكَ رَدُّ سَائِلٍ مَلْهُوْفٍ، وَمُضْطَرٍّ لِانْتِظَارِ فَضْلِكَ المَأَلُوْفِ.
سَيِّدِي، إنْ حَرَمتَنِي رُؤيَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ فِي دَارِ السَّلامِ، وأَعْدَمْتَنِي طَوَائِفَ [طوف، تطواف، طواف] الوَصَائِفِ وَالخُدّامِ، وصَرَفتَ وَجْهَ تَأمِيْلِي بِالخَيبَةِ فِي دَارِ المُقَامِ، فَغَيرَ ذلِكَ مَنَّتْنِي نَفسِي مِنكَ يَا ذَا الطَّولِ وَالإِنْعَامِ.
سَيِّدِي، وعِزَّتِكَ لَو قَرَنْتَنِي في الأصفاد [بِالأَصفادِ] ومَنَعْتَنِي سَبِيْلَكَ مِن بَينِ العِبادِ، ما قَطَعتُ رَجَائِي عَنْكَ، وَلَا صَرَفتُ وَجْهَ انتِظَارِي لِلعَفوِ مِنكَ.
سَيِّدِي، لَوْ لَمْ تَهدِنِي إلَى الإِسْلَامِ لَضَلَلْتُ، ولَو لَم تُثَبِّتْنِي إذاً لَزَلَلْتُ، وَلَو لَم تُشْعِر قَلبِيَ الإِيْمَانَ بِكَ مَا آمَنْتُ وَلَا صَدَّقْتُ، ولَوْ لَم تُطْلِقْ لِسَانِي بِدُعَائِكَ مَا دَعَوْتُ، وَلَوْ لَم تُعَرِّفْنِي حَقِيقَةَ مَعْرِفَتِكَ مَا عَرَفْتُ، وَلَو لَم تَدُلَّنِي عَلَى كَرِيمِ ثَوَابِكَ ما رَغِبْتُ، وَلَوْ لَمْ تُبَيِّن لِي أليمَ عِقَابِكَ مَا رَهِبْتُ، فَأَسْأَ لُكَ سَيِّدِي تَوْفِيقِي لِما يُوْجِبُ ثَوَابَكَ، وَتَخْلِيصِي [ويخلصني] مِمّا يَكسِبُ عِقابَكَ.
سَيِّدِي، إنْ أقعَدَنِي التَّخَلُّفُ عَنِ السَّبقِ مَعَ الأَبرَارِ، فَقَد أَقَامَتنِي الثِّقَةُ بِكَ عَلَى مَدَارِجِ الأَخيَارِ.
سَيِّدِي، كُلُّ مَكرُوبٍ إلَيكَ يَلتَجِئُ، وكُلُّ مَحْزُونٍ إيّاكَ يَرْتَجِي، سَمِعَ العَابِدُونَ بِجَزِيلِ ثَوابِكَ فَخَشَعُوا، وسَمِعَ المُتَوَلُّونَ [المُوَلّونَ] عَنِ القَصْدِ بِجُودِكَ فَرَجَعُوا، وَسَمِعَ المُجْرِمُونَ بِسَعَةِ رَحْمَتِكَ [المحرومون بسعة فضلك] فَطَمِعُوا، حَتَّى ازْدَحَمَتْ عَصَائِبُ العُصَاةِ مِنْ عِبادِكَ، وعَجَّتْ إلَيكَ الأَلسُنُ بِأَصْنَافِ الدُّعَاءِ فِي بِلادِكَ، فَكُلُّ أمَلٍ سَاقَ [سائق] صَاحِبَهُ إلَيكَ مُحْتَاجَاً، وَكُلُّ قَلْبٍ تَرَكَهُ وَجِيْبُ الخَوْفِ إلَيكَ مُهْتَاجَاً.
سَيِّدِي، وَأَنتَ المَسْؤُولُ الَّذِي لَا تَسْوَدُّ لَدَيهِ وُجُوهُ المَطَالِبِ، وَلَم يُرْدد رَاجِيهِ فَيُزيلَهُ عَنِ الحَقِّ إلَى المَعَاطِبِ سَيِّدِي، إِنْ أَخْطَأتُ طَرِيقَ النَّظَرِ لِنَفسِي بِمَا فِيهِ كَرامَتُها، فَقَد أَصَابَتْ [أصَبتُ] طَرِيقَ الفَرَجِ [طريق المسألة إليك] بِما فِيهِ سَلامَتُهَا.
سَيِّدِي، إنْ كَانَتْ نَفسِي اسْتَعبَدَتنِي مُتَمَرِّدَةً عَلَيَّ بِمَا يُرجِيهَا [على ما يرديها] فَقَدِ استَعبَدتُهَا الآنَ عَلَى ما يُنْجِيهَا.
سَيِّدِي، إنْ أَجْحَفَ بِي زَادُ الطَّرِيقِ فِي المَسِيرِ إلَيكَ، فَقَدْ أوْصَلتُهُ بِذَخَائِرِ مَا أَعدَدتُهُ مِن فَضْلِ تَعْوِيلٍ [تَعويلي] عَلَيكَ.
سَيِّدِي، إذَا ذَكَرْتُ رَحمَتَكَ ضَحِكَتْ لَها عُيونُ مَسَائِلِي، وَإذَا ذَكَرْتُ عُقُوبَتَكَ بَكَتْ لَهَا جُفُونُ وَسَائِلي.
سَيِّدِي، أَدعُوكَ دُعَاءَ مَنْ لَم يَدْعُ غَيرَكَ فِي دُعَائِهِ، وَأَرْجُوْكَ رَجَاءَ مَنْ لَم يَقصِدْ غَيرَكَ بِرَجائِهِ.
سَيِّدِي، وَكَيْفَ أرُدُّ عَارِضَ تَطَلُّعِي إلَى نَوالِكَ؟! وإنَّما أنَا فِي هَذَا الخَلْقِ أحَدُ عِيَالِكَ.
سَيِّدِي، كَيْفَ اسْكِتُ بِالإِفْحَامِ لِسَانَ ضَرَاعَتي، وَقَد أقلَقَنِي مَا أُبهِمَ عَلَيَّ مِنْ تَقدِيرِ عَاقِبَتِي؟!
سَيِّدِي، قَدْ عَلِمتَ حَاجَةَ جِسْمِي إلَى مَا قَدْ تَكَفَّلتَ لي مِنَ الرِّزقِ أيّامَ حَيَاتِي، وَعَرَفْتَ قِلَّةَ استِغْنَائِي عَنهُ بَعدَ وَفَاتِي، فَيَا مَنْ سَمَحَ لِي بِهِ مُتَفَضِّلًا فِي العَاجِلِ، لَا تَمنَعنِيهِ يَومَ حَاجَتِي إلَيهِ فِي الآجِلِ، فَمِن شَواهِدِ نَعماءِ الكَرِيمِ إتْمَامُ نَعمَائِهِ، ومِنْ مَحَاسِنِ آلاءِ الجَوادِ إكْمَالُ آلائِهِ. إلهِي [سيدي]، لَوْلَا مَا جَهِلتُ مِنْ أَمْرِي لَمْ أسْتَقلكَ عَثَراتي، ولَوَلا مَا ذَكَرْتُ مِن شِدَّةِ التَّفرِيطِ لَم أسْكُبْ عَبَرَاتِي.
سَيِّدِي، فَامحُ مُثبَتَاتِ العَثَرَاتِ بمُسْبَلاتِ العَبَرَاتِ، وَهَبْ كَثيرَ السَّيِّئاتِ بِقَلِيلِ [القليل] الحَسَنَاتِ.
سَيِّدِي، إنْ كُنتَ لا تَرحَمُ إلّا المُجِدّينَ في طَاعَتِكَ، فَإِلى مَن يَفزَعُ المُقَصِّرُونَ؟ وإنْ كُنتَ لَا تَقبَلُ إلّا مِنَ المُجتَهِدِينَ، فَإِلى مَنْ يَلجَأُ الخَاطِئونَ؟ وإنْ كُنْتَ لَا تُكْرِمُ إلّا أَهْلَ الإِحسَانِ، فَكَيفَ يَصْنَعُ المُسِيئُونَ؟ وإنْ كَانَ لا يَفوزُ يَومَ الحَشْرِ إلّا المُتَّقُونَ، فَبِمَنْ يَسْتَغِيثُ المُذْنِبُونَ؟
سَيِّدِي، إِنْ كَانَ لَا يَجوزُ عَلَى الصِّرَاطِ إلّا مَنْ أجازَتْهُ بَراءَةُ عَمَلِهِ، فَأَنّى بِالجَوَازِ لِمَنْ لَمْ يَتُبْ إلَيكَ قَبلَ دُنُوِّ أجَلِهِ؟ وإنْ لَمْ تَجُدْ إلّا عَلَى مَنْ عَمَّرَ بِالزُّهدِ مَكنُونَ سَريرَتِهِ، فَمَنْ لِلمُضطَرِّ الَّذي لَمْ يُرضِهِ بَينَ العَالَمينَ [العاملين] سَعيُ نَقِيَّتِهِ؟
سَيِّدِي، إنْ حَجَبتَ عَنْ أهْلِ تَوحِيدِكَ نَظَرَ تَغَمُّدِكَ بِخَطِيئَاتِهِم، أَوْقَعَهُم [أوبقهم] غَضَبُكَ بَينَ المُشرِكينَ بِكُرُباتِهِم.
سَيِّدِي، إنْ لَمْ تَنْشُلْنَا [تَشمَلنا] يَدُ إحْسَانِكَ يَومَ الوُرُودِ، اختَلَطْنَا فِي الخِزيِ يَوْمَ الحَشْرِ بِذَوِي الجُحُودِ، فَأَوجِبْ لَنَا بِالإِسْلامِ مَذخورَ هِباتِكَ، وأَصِفْ ما كَدَّرَتهُ الجَرائِمُ بِصَفحِ صِلاتِكَ.
سَيِّدِي، لَيسَ لِي عِندَكَ عَهدٌ اتَّخَذتُهُ، وَلا كَبيرُ عَمَلٍ أخلَصتُهُ، إلّا إِنِّي واثِقٌ بِكَريمِ أفعَالِكَ، رَاجٍ لِجَسيمِ إفْضَالِكَ، عَوَّدتَني مِن جَميلِ تَطَوُّلِكَ عَادَةً أنتَ أَوْلَى بِإِتمَامِهَا، وَوَهَبْتَ لِي مِن خُلُوصِ مَعرِفَتِكَ حَقِيقَةً أنْتَ المَشْكُورُ عَلَى إلهَامِهَا.
سَيِّدِي مَا جَفَّتْ [حنت] هَذِهِ العُيُونُ لِفَرْطِ [إلى فرط] بُكَائِهَا، وَلَا جَادَتْ هذِهِ الجُفونُ بِفَيضِ مَائِهَا، وَلَا أَسْعَدَها نَحِيبُ الباكِياتِ الثّاكِلاتِ لِفَقدِ عَزائِها، إلّا لِمَا [بما] أَسْلَفَتهُ مِن عَمْدِهَا وخَطَائِهَا، وَأَنْتَ القَادِرُ سَيِّدِي عَلَى كَشِفِ غَمَائِهَا.
سَيِّدِي، أمَرْتَ بِالمَعرُوفِ وَأَنتَ أَوْلَى بِهِ مِنَ المَأمُورِينَ، وَحَضَضتَ عَلى إعطاءِ السّائِلينَ وأَنتَ خَيرُ المَسؤولينَ، ونَدَبتَ على عِتقِ الرِّقابِ وأَنتَ خَيرُ المُعتِقينَ، وَحَثثتَ عَلَى الصَّفحِ عَنِ المُذنِبِينَ وَأَنتَ أَكرَمُ الصّافِحِينَ.
سَيِّدِي، إِنْ تَلَونَا مِنْ كِتَابِكَ سَعَةَ رَحمَتِكَ، أشفَقنَا من مُخالَفَتِكَ وفَرِحنَا بِبَذلِ رَحمَتِكَ، وإذا تَلَونَا ذِكرَ عُقوبَتِكَ، جَدَدنَا فِي طاعَتِكَ وَفَزَعِنَا مِن أَلِيمِ نَقِمَتِكَ، فَلا رَحمَتُكَ تُؤمِنُنا، وَلَا سَخَطُكَ يُؤيِسُنا.
سَيِّدِي، كَيفَ يَتَمَنَّعُ [يمتنع] مَن فيها مِن طَوارِقِ الرَّزايَا، وقَد رُشِقَ في كُلِّ دارٍ مِنهَا سَهمٌ مِن سِهَامِ المَنايَا؟!
سَيِّدِي، إنْ كَانَ ذَنبي مِنكَ قَد أَخَافَني، فَإِنَّ حُسْنَ ظَنّي بِكَ قَد أَجَارَنِي، وَإِنْ كَانَ خَوْفُكَ قَدْ أَوْبَقَنِي [أربَقَني]، فَإِنَّ حُسنَ نَظَرِكَ لِي قَدْ أَطْلَقَنِي. سَيِّدِي، إِنْ كَانَ قَد دَنا مِنّي أجَلي وَلَم يُقَرِّبْنِي مِنْكَ عَمَلي، فَقَد جَعَلتُ الاعْتِرَافَ بِالذَّنبِ أوجَهَ وَسائِلَ عِلَلي.
سَيِّدِي، مَنْ أَوْلَى بِالرَّحمَةِ مِنْكَ إِنْ رَحِمتَ؟ ومَنْ أَعْدَلُ فِي الحُكْمِ مِنْكَ إِنْ عَذَّبْتَ؟
سَيِّدِي، لَمْ تَزلْ بَرَّاً بِي أيّامَ حَيَاتِي، فَلا تَقطَعْ لَطيفَ بِرِّكَ بي بَعدَ وَفاتي.

سَيِّدِي، كَيفَ آيَسُ مِن حُسْنِ نَظَرِكَ بي (١) بَعدَ مَمَاتِي، وأَنتَ لَم تُوَلِّني إلّا جَميلاً فِي حَيَاتِي؟!

سَيِّدِي، عَفوُكَ أعظَمُ مِنْ كُلِّ جُرْمٍ، ونِعمَتُكَ مَمحَاةٌ لِكُلِّ إِثْمٍ.
سَيِّدِي، إنْ كَانَتْ ذُنُوِبي قَدْ أَخَافَتْنِي، فَإِنَّ مَحَبَّتي لَكَ قَد آمَنَتني، فَتَوَلَّ مِنْ أَمْرِي مَا أَنْتَ أهْلُهُ، وَعُدْ بِفَضلِكَ عَلَى مَنْ قَدْ غَمَرَهُ جَهْلُهُ، يَا مَنْ السِّرُّ عِندَهُ عَلانِيَةٌ، وَلَا يَخفَى عَلَيهِ مِنَ الغَوامِضِ خافِيَةٌ، فَاغفِر لِي مَا خَفِيَ عَنْ النَّاسِ مِن أَمرِي، وَخَفِّفْ بِرَحمَتِكَ مِن ثِقلِ الأَوزارِ ظَهْرِي.

سَيِّدِي، إنْ [إذا] شَهِدَ لِيَ الإِيمانُ بِتَوحِيدِكَ، ونَطَقَ لِسَانِي بِتَمجيدِكَ، ودَلَّنِي القُرْآنُ عَلَى فَواضِلِ جُوْدِكَ، فَكَيفَ لا يَبتَهِجُ رَجَائي بِتَحْقِيقِ مَوعُودِكَ؟ وَلَا تَفْرَحُ (٢) أُمْنِيَتِي بِحُسْنِ مَزيدِكَ.

سَيِّدِي، إنْ غَفَرتَ [عفوت] فَبِفَضلِكَ، وَإنْ عَذَّبتَ فَبِعَدلِكَ، فَيَا مَنْ لَا يُرْجَى إلّا فَضْلُهُ، وَلَا يُخْشَى إلَّا عَدلُهُ، اُمْنُنْ عَلَيَّ بَفَضْلِكَ وَلَا تَسْتَقصِ عَلَيَّ في عَدلِكَ.
سَيِّدِي، أَدْعُوكَ دُعاءَ مُلِحٍّ لا يَمَلُّ مَوَلاهُ، وأَتَضَرَّعُ إلَيكَ تَضَرُّعَ مَن أقَرَّ عَلَى نَفسِهِ بِالحُجَّةِ في دَعْوَاهُ، وخَضَعَ لَكَ خُضُوعَ مَنْ يُؤَمِّلُكَ لِآخِرَتِهِ ودُنْيَاهُ، فَلَا تَقْطَعْ عِصْمَةَ رَجَائِي، وَاسمَع تَضَرُّعِي، وَاقْبَلْ دُعَائِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي عَلَى مَا اثبَتُ مِنْ دَعوَايَ.
سَيِّدِي، لَوْ عَرَفتُ اعتِذاراً مِنَ الذَّنبِ لَأَتَيتُهُ، فَأَنَا المُقِرُّ بِمَا أحْصَيتُهُ وَجَنَيتُهُ، وَخالَفتُ أمرَكَ فيهِ فَتَعَدَّيتُهُ، فَهَبْ لِي ذَنبِي بِالاعْتِرَافِ، وَلَا تَرُدَّنِي فِي طَلَبِي [طَلِبَتي] عِندَ الانْصِرَافِ.
سَيِّدِي، قَدْ أصَبْتُ مِنَ الذُّنوبِ مَا قَدْ عَرَفْتَ، وَأَسرَفتُ عَلَى نَفْسِي بِمَا قَدْ عَلِمتَ، فَاجعَلْنِي عَبْدَاً إمّا طَائِعَاً فَأَكرَمْتَهُ [فأكرمتني]، وإمّا عَاصِيَاً فَرَحِمْتَهُ [فَرَحِمتَني].
سَيِّدِي، كَأَنّي بِنَفسِي قَدْ أُضْجِعَتْ فِي قَعرِ حُفرَتِها، وَانصَرَفَ عَنهَا المُشَيِّعونَ مِن جيرَتِها، وَبَكى عَلَيهَا الغَريبُ لِطُولِ غُربَتِهَا، وَجَادَ عَلَيهَا بِالدُّمُوعِ المُشْفِقُ مِن عَشيرَتِهَا، وَنَادَاهَا مِن شَفيرِ القَبْرِ ذَوُو مَوَدَّتِهَا وَرَحِمَهَا المُعَادِي لَهَا فِي الحَياةِ عِندَ صَرْعَتِها، وَلَم يَخفَ على النّاظِرينَ إلَيها فَرطُ فاقَتِها، وَلَا عَلى مَن قَد رَآها تَوَسَّدَتِ الثّرى عَجزُ حِيلَتِها، فَقُلتَ:
مَلائِكَتي، فَريدٌ نَأَى عَنهُ الأَقرَبونَ، وَبَعيدٌ جَفَاهُ الأَهلُونَ، ووَحيْدٌ فارَقَهُ المَالُ وَالبَنُونَ، نَزَلَ بِي قَرِيبَاً، وَسَكَنَ اللَّحْدَ غَرِيبَاً، وَكَانَ لِي فِي دَارِ الدُّنيَا دَاعِيَاً، وَلِنَظَرِي لَهُ فِي هذَا اليَومِ رَاجِيَاً، فَتُحسِنُ عِندَ ذلِكَ ضِيَافَتِي، وَتَكُونُ أشفَقَ عَلَيَّ مِن أهْلِي وَقَرَابَتِي.

إلهِي وَسَيِّدِي، لَوْ طبَّقَتْ (٣) ذُنُوبِي مَا بَينَ ثَرَى الأَرْضِ إلَى أَعْنَانِ السَّماءِ (٤)، وَخَرَقَتِ النُّجُومَ إلِى حَدِّ الانتِهَاءِ، ما رَدَّنِيَ اليَأسُ عَن تَوَقُّعِ غُفرَانِكَ، وَلَا صَرَفَنِيَ القُنُوطُ عَنِ انتِظارِ رِضوَانِكَ.

سَيِّدِي، قَدْ ذَكَرتُكَ بِالذِّكرِ الَّذِي ألهَمتَنِيهِ، وَوَحَّدتُكَ بِالتَّوحِيدِ الَّذي ألزَمتَنيهِ، ودَعَوتُكَ بِالدُّعَاءِ الَّذي عَلَّمتَنيهِ، فَلا تَحْرِمنِي بِرَحمَتِكَ الجَزاءَ الَّذي وَعَدتَنيهِ، فَمِنَ النِّعمَةِ لَكَ عَلَيَّ أنْ هَدَيتَني بِحُسْنِ دُعائِكَ، ومِن إتمامِها أَنْ تُوجِبَ لِي مَحمُودَ جَزائِكَ.
سَيِّدِي، أنتَظِرُ عَفوَكَ كَما يَنتَظِرُهُ المُذنِبُونَ، ولَسْتُ أيأَسُ مِنْ رَحمَتِكَ الَّتِي يَتَوَقَّعُهَا المُحسِنُونَ.
إِلهِي وسَيِّدِي، انهَمَلَتْ بِالسَّكبِ عَبَراتِي، حِينَ ذَكَرتُ خَطَايَايَ وَعَثَراتِي، وَمَا لَها لَا تَنهَمِلُ وَتَجرِي وَتَفِيضُ مَاؤَهَا وَتَذِري، وَلَسْتُ أَدْرِي إِلَى مَا يَكونُ مَصِيرِي، وَعَلَى مَا يَتَهَجَّمُ عِندَ البَلاغِ مَسِيرِي؟! يَا أُنْسَ كُلِّ غَرِيبٍ مُفرَدٍ، آنِسْ فِي القَبرِ وَحشَتِي، وَيَا ثَانِيَ كُلِّ وَحيدٍ، ارْحَمْ فِي الثَّرَى طُولَ وَحْدَتِي.
سَيِّدِي، كَيفَ نَظَرُكَ لِي بَينَ سُكّانِ الثَّرَى؟ وَكَيفَ صَنيعُكَ بِي فِي دَارِ الوَحشَةِ وَالبِلَى؟ فَقَدْ كُنتَ بِي [لي] لَطِيفَاً أيّامَ حَياةِ الدُّنيَا، يَا أفضَلَ المُنعِمينَ فِي آلائِهِ، وأَنعَمَ المُفضِلينَ فِي نَعمائِهِ، كَثُرَتْ أيَادِيكَ فَعَجَزتُ عَن إحْصَائِهَا، وَضِقْتُ ذَرْعَاً فِي شَكْري لَكَ بِجَزائِهَا، فَلَكَ الحَمْدُ عَلَى مَا أَوْلَيتَ مِنَ التَّفَضُّلِ، وَلَكَ الشُّكْرُ عَلَى مَا أبلَيْتَ مِنَ التَّطَوُّلِ، يَا خَيرَ مَنْ دَعَاهُ الدّاعُونَ، وَأَفضَلَ مَن رَجَاهُ الرَّاجُونَ، بِذِمَّةِ الإِسْلَامِ أتَوَسَّلُ إلَيكَ، وبِحُرمَةِ القُرْآنِ أعتَمِدُ عَلَيكَ، وبِمُحَمَّدٍ وَأَهلِ بَيتِهِ أستَشفِعُ وأَتَقَرَّبُ وأُقَدِّمُهُم أمَامَ حَاجَتي إلَيكَ فِي الرَّغَبِ وَالرَّهَبِ.
اللّهمُّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهلِ بَيتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَاجْعَلِني بِحُبِّهِم يَوْمَ العَرْضِ عَلَيكَ نَبيهَاً، وَمِنَ الأَنجَاسِ وَالأَرْجَاسِ نَزِيهَاً، وبِالتَّوَسُّلِ بِهِمْ إلَيكَ مُقَرَّبَاً وَجِيهَاً، يَا كَريمَ الصَّفْحِ وَالتَّجاوُزِ، ومَعْدِنَ العَوارِفِ وَالجَوائِزِ، كُنْ عَنْ ذُنوبي صَافِحَاً مُتَجَاوِزَاً، وَهَبْ لِي مِنْ مُراقَبَتِكَ مَا يَكونُ بَيني وبَينَ مَعصِيتِكَ حَاجِزَاً.
سَيِّدِي، إنَّ مَنْ تَقَرَّبَ مِنكَ [من تقرب لديك بالخير منك] لَمَكينٌ مِن مُوالَاتِكَ، وَإنَّ مَنْ تَحَبَّبَ إلَيْكَ لَقَمِينٌ بِمَرضَاتِكَ، وَإنَّ مَنْ تَعَرَّفَ بِكَ لَغَيرُ مَجْهُولٍ، وَإنَّ مَنِ استَجَارَ بِكَ [استجارك] لَغَيرُ مَخْذُولٍ.
سَيِّدِي، أتَرَاكَ تُحْرِقُ بِالنّارِ وَجهَاً طَالَما خَرَّ سَاجِداً بَينَ يَدَيكَ؟! أَمْ تُرَاكَ تَغُلُّ إِلَى الأَعنَاقِ أكُفّاً طَالَما تَضَرَّعَتْ فِي دُعائِها إلَيكَ؟! أَمْ تُرَاكَ تُقَيِّدُ بِأَنكَالِ الجَحِيمِ أَقْدَامَاً طَالَما خَرَجَتْ مِن مَنازِلِها طَمَعَاً فِيمَا لَدَيكَ، مَنّاً مِنكَ عَلَيهَا لَا مَنّاً مِنهَا عَلَيْكَ؟!
سَيِّدِي، كَمْ مِنْ نِعمَةٍ لَكَ عَلَيَّ قَلَّ لَكَ عِندَهَا شُكْرِي؟ وكَمْ مِن بَلِيَّةٍ ابْلَيتَنِي بِهَا عَجَزَ عَنها صَبْرِي؟ فيَا مَنْ قَلَّ شُكْرِي عِنْدَ نِعَمِهِ فَلَمْ يَحْرِمْنِي، وَعَجَزَ صَبْرِي عِنْدَ بَلِيّتِه فَلَمْ يَخذُلْنِي، جَميلُ فَضلِكَ عَلَيَّ أَبطَرَنِي، وَجَميلُ حِلمِكَ عَنِّي غَرَّنِي.
سَيِّدِي، قَوِيتُ بِعَافِيَتِكَ عَلَى مَعْصِيَتِكَ، وَأَنفَقتُ نِعْمَتَكَ فِي سَبِيلِ مُخالَفَتِكَ، وَأَفنَيتُ عُمُرِي فِي غَيرِ طَاعَتِكَ، فَلَمْ يَمنَعكَ جُرأَتي عَلَى مَا عَنهُ نَهَيتَني، وَلَا انتِهَاكِي مَا مِنهُ حَذَّرتَني أَنْ سَتَرتَني بِحِلْمِكَ السَّاتِرِ، وَحَجَبتَنِي عن عَينِ كُلِّ نَاظِرٍ، وَعُدْتَ بِكَريمِ أَيَادِيكَ حِينَ عُدْتُ بِارتِكَابِ مَعَاصِيكَ، فَأَنتَ العَوَّادُ بِالإِحْسَانِ، وَأَنَا العَوّادُ بِالعِصيَانِ.
سَيِّدِي، أتَيتُكَ مُعتَرِفاً لَكَ بِسُوءِ فِعْلِي، خَاضِعَاً لَكَ بِاستِكَانَةِ ذُلّي، رَاجِيَاً مِنْكَ جَميلَ مَا عَرَّفتَنيهِ مِنَ الفَضْلِ الَّذِي عَوَّدتَنيهِ، فَلا تَصْرِف رَجَائِي مِنْ فَضْلِكَ خَائِبَاً، وَلَا تَجعَلْ ظَنّي بِطَولِكَ كَاذِبَاً.
سَيِّدِي، إنَّ أَمَلِي فِيكَ يَتَجاوَزُ آمالَ الآمِلينَ، وسُؤَالِي إيَّاكَ لَا يُشْبِهُ سُؤَالَ السَّائِلِينَ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ إذَا مُنِعَ امتَنَعَ عَنِ السُّؤَالِ، وَأَنَا فَلَا غَناءَ بِي عَنكَ فِي كُلِّ حَالٍ.
سَيِّدِي، غَرَّنِي بِكَ حِلْمُكَ عَنِّي إِذ حَلُمتَ، وَعَفوُكَ عَنْ ذَنْبِي إِذ رَحِمتَ، وَقَد عَلِمتُ أنَّكَ قادِرٌ أَنْ تَقولَ للأَرْضِ: خُذيهِ فَتَأخُذَني، ولِلسَّماءِ: أَمْطِريهِ حِجارَةً فَتُمطِرَني، وَلَو أمَرتَ بَعضِي أَنْ يَأخُذَ بَعْضَاً لَما أَمْهَلَنِي، فَامنُنْ عَلَيَّ بِعَفوِكَ عَنْ ذَنْبِي، وَتُبْ عَلَيَّ تَوبَةً نَصُوحَاً تُطَهِّرُ بِهَا قَلبِي.
سَيِّدِي، أنتَ نُورِي فِي كُلِّ ظُلمَةٍ، وَذُخْرِي لِكُلِّ مُلِمَّةٍ، وعِمادِي عِندَ كُلِّ شِدَّةٍ، وَأَنِيسِي فِي كُلِّ خَلوَةٍ ووَحْدَةٍ، فَأَعِذْنِي مِنْ سُوءِ مَوَاقِفِ الخَائِبِينَ، وَاستَنقِذني مِنْ ذُلِّ مَقَامِ الكَاذِبينَ.
سَيِّدِي، أَنْتَ دَليلُ مَنِ انقَطَعَ دَليلُهُ، وأَمَلُ مَنِ امتَنَعَ تَأْمِيلُهُ، فَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبِي حَالَتْ بَينَ دُعَائِي وَإِجَابَتِكَ، فَلَمْ يَحُلْ [فلن يحول] كَرَمُكَ بَيْنِي وَبَينَ مَغفِرَتِكَ، وَإنَّكَ [وأنت] لَا تُضِلُّ مَن هَدَيتَ، وَلَا تُذِلُّ مَنْ وَالَيتَ، وَلَا يَفتَقِرُ مَن أغنَيتَ، وَلَا يُسْعَدُ مَنْ أَشقَيتَ، وعِزَّتِكَ لَقَدْ أَحْبَبتُكَ مَحَبَّةً اسْتَقَرَّتْ فِي قَلبِي حَلاوَتُها فَأنِسَتْ [وأَنِسَت] نَفْسِي بِبشارَتِها، ومَحالٌ فِي عَدْلِ أقضِيَتِكَ أَنْ تَسُدَّ أَسْبَابِ [أبوابَ] رَحمَتِكَ عَنْ مُعتَقِدي مَحَبَّتِكَ.
سَيِّدِي، لَولَا تَوْفِيقُكَ ضَلَّ الحَائِرُونَ، وَلَولَا تَسْدِيدُكَ لَمْ يَنجُ المُسْتَبْصِرُون [المُستَغفِرونَ]، أَنْتَ سَهَّلتَ لَهُمُ السَّبيلَ حَتّى وَصَلُوا، وَأَنْتَ أيَّدتَهُم بِالتَّقْوَى حَتّى عَمِلوا، فَالنِّعمَةُ عَلَيهِم مِنْكَ جَزِيْلَةٌ، وَالمِنَّةُ مِنْكَ لَدَيهِم مَوصُولَةٌ.
سَيِّدِي، أسْأَلُكَ مَسأَلَةَ مِسْكينٍ ضَارِعٍ، مُسْتَكينٍ خَاضِعٍ، أَنْ تَجعَلَنِي مِنَ الموقِنينَ خُبرَاً وفَهمَاً، وَالمُحيطِينَ مَعرِفَةً وعِلْمَاً، إنَّكَ لَم تُنزِل كُتُبَكَ إلّا بِالحَقِّ، ولَمْ تُرسِلْ رُسُلَكَ إلّا بِالصِّدقِ، ولَم تَترُك عِبادَكَ هَمَلًا ولا سُدىً، ولَم تَدَعْهُمْ بِغَيرِ بَيانٍ ولاهُدىً، وَلَم تَدَعهُم إلّا إِلى الطَّاعَةِ، وَلَم تَرضَ مِنهُم بِالجَهالَةِ وَالإِضاعَةِ، بَل خَلَقتَهُم لِيَعبُدوكَ، ورَزَقتَهُم لِيَحمَدوكَ، ودَلَلتَهُم عَلى وَحدانِيَّتِكَ لِيُوَحِّدوكَ، وَلَم تُكَلِّفهُم مِنَ الأَمرِ مَا لَا يُطيقُونَ، ولَم تُخاطِبهُم بِما يَجهَلونَ، بَل هُم بِمَنهَجِكَ عَالِمونَ، وبِحُجَّتِكَ مَخصُوصُونَ، أمرُكَ فيهِم نافِذٌ، وقَهرُكَ بِنَواصِيهِم آخِذٌ، تَجتَبي مَن تَشاءُ فَتُدنيهِ، وتَهدي مَن أَنَاب إلَيكَ مِن مَعَاصِيه [معاصيكَ] فَتُنجيهِ، تَفَضُّلًا مِنكَ بِجَسيمِ نِعمَتِكَ، عَلى مَن أدخَلتَهُ في سَعَةِ رَحمَتِكَ، يا أكرَمَ الأَكرَمينَ، وأَرأَفَ الرّاحِمينَ.
سَيِّدِي، خَلَقتَني فَأَكمَلتَ تَقديري، وصَوَّرتَنِي فَأَحسَنتَ تَصوِيري، فَصِرتُ بَعدَ العَدَمِ مَوجوداً، وبَعدَ المَغيبِ شَهيداً، وجَعَلتَني بِتَحَنُّنِ رَأفَتِكَ تامّاً سَوِيّاً، وحَفِظتَني فِي المَهدِ طِفلًا صَبِيّاً، ورَزَقتَني مِنَ الغِذاءِ سائغاً هَنياً، ثُمَّ وَهَبتَ لي رَحمَةَ الآباءِ وَالامَّهاتِ، وعَطَفتَ عَلَيَّ قُلوبَ الحَواضِنِ وَالمُرَبِّياتِ، كَافِياً لي شُرورَ الإِنسِ وَالجانِّ، مُسَلِّماً لي مِنَ الزِّيادَةِ وَالنُّقصانِ، حَتّى أفصَحتُ ناطِقاً بِالكَلامِ، ثُمَّ أنْبَتَّنِي زائِدَاً في كُلِّ عامٍ وقَد أسبَغتَ عَلَيَّ مَلابِسَ الإِنعامِ، ثُمَّ رَزَقتَني مِنْ ألطَافِ المَعاشِ، وأَصْنَافِ الرِّيَاشِ، وكَنَفتَني بِالرِّعايَةِ في جَميعِ مَذاهِبي، وبَلَّغتَني مَا أُحَاوِلُ مِن سائِرِ مَطالِبي إتماماً لِنِعمَتِكَ لَدَيَّ، وإيجاباً لحُجَّتِكَ عَلَيَّ، وذلِكَ أكثَرُ مِن أن يُحصِيَهُ القائِلونَ، أو يُثنِيَ بِشُكرِهِ العامِلونَ، فَخالَفتُ ما يُقَرِّبُني مِنكَ، وَاقتَرَفتُ ما يُباعِدُني عَنكَ، فَظاهَرتَ عَلَيَّ جَميلَ سِترِكَ، وأدنيتني بِحُسنِ نَظَرِكَ وبِرِّكَ، ولَم يُباعِدني عَن إحسانِكَ تَعَرُّضي لِعِصيانِكَ، بَل تابَعتَ عَلَيَّ في نِعَمِكَ وَعُدْتَ [وجدت علي] عليَّ بِفَضلِكَ وكَرَمِكَ، فَإِن دَعَوتُكَ أجَبتَني، وإنْ سَأَلتُكَ أعطَيتَني، وإنْ شَكَرتُكَ زِدتَني، وإنْ أمسَكتُ عَن مَسأَلَتِكَ ابتَدَأتَني، فَلَكَ الحَمدُ عَلى بَوادي أياديكَ وتَواليها، حَمداً يُضَاهِي آلاءَكَ ويُكَافِيهَا.
سَيِّدي، سَتَرتَ عَلَيَّ فِي الدُّنيَا ذُنوبَاً ضَاقَ عَلَيَّ مِنهَا المَخرَجُ، وأَنَا إلى سَترِها عَلَيَّ فِي القِيامَةِ أحوَجُ، فَيا مَن جَلَّلَني بِسِترِهِ عَن لَواحِظِ المُتَوَسِّمينَ، لا تُزِل سِترَكَ عَنّي عَلى رُؤوسِ العالَمينَ
سَيِّدي، أعطَيتَني فَأَسنَيتَ حَظّي، وحَفِظتَني فَأَحسَنتَ حِفظي، وغَذَّيتَني فَأَنعَمتَ غِذائي، وحَبَوتَني فَأَكرَمتَ مَثوايَ، وتَوَلَّيتَني بِفَوائِدِ [بعوائد] البِرِّ وَالإِكرامِ، وخَصَصتَني بِنَوافِلِ الفَضلِ وَالإِنعامِ، فَلَكَ الحَمدُ عَلى جَزيلِ جودِكَ، ونَوافِلِ مَزيدِكَ، حَمداً جامِعاً لِشُكرِكَ الواجِبِ، مانِعاً مِن عَذابِكَ الواصِبِ، مُكافِئاً لِما بَذَلتَهُ مِن أقسامِ المَواهِبِ.
سَيِّدي، عَوَّدتَني إسعافي بِكُلِّ ما أسأَلُكَ [أسأَلُه]، وإجابَتي إلى تَسهيلِ كُلِّ ما أحاوِلُهُ، وأَنَا أعتَمِدُكَ في كُلِّ ما يَعرِضُ لي مِنَ الحَاجَاتِ، وأُنزِلُ بِكَ كُلَّ ما يَخطُرُ بِبالي مِنَ الطَّلِباتِ، واثِقاً بِقَديمِ طَوْلِكَ [تَطَوُّلِكَ]، ومُدِلا بِكَريمِ تَفَضُّلِكَ، وأَطلُبُ الخَيرَ مِن حَيثُ تَعَوَّدتُهُ، وأَلتَمِسُ النُّجحَ مِن مَعدِنِهِ الَّذي تَعَرَّفتُهُ، وأَعلَمُ أنَّكَ لا تَكِلُ اللّاجينَ إلَيكَ إلى غَيرِكَ، ولا تُخلِي الرّاجينَ بحسن [لِحُسنِ] تَطَوُّلِكَ مِن نَوافِلِ بِرِّكَ.
سَيِّدي، تَتابَعَ مِنكَ البِرُّ وَالعَطاءُ، فلَزِمَنِي الشُّكرُ وَالثَّناءُ، فَما مِن شَيءٍ أنشُرُهُ وأَطويهِ مِن شُكرِكَ، ولا قَولٍ أُعيدُهُ وأُبديهِ في ذِكرِكَ، إلّا كُنتَ لَهُ أهلًا ومَحَلًا، وكانَ في جَنبِ مَعْرُوفِكَ مُستَصغَراً مُستَقَلًا.

سَيِّدي، أستَزيدُكَ مِن فَوائِدِ النِّعَمِ، غَيرَ مُستَبطِئٍ مِنكَ فيهِ سَنِيَّ الكَرَمِ، وأَستَعيذُ بِكَ مِن بَوادِرِ النِّقَمِ، غَيرَ مُخَيِّلٍ (٥) في عَدلِكَ خَواطِرَ التُّهَمِ.

سَيِّدي، عَظُمَ قَدرُ مَن أسعَدتَهُ بِاصطِفائِكَ، وعَدِمَ النَّصرَ مَن أبعَدتَهُ مِن فِنائِكَ.
سَيِّدي، ما أعظَمَ رَوحَ قُلوبِ المُتَوَكِّلينَ عَلَيكَ، وأَنجَحَ سَعيَ الآمِلينَ لديك [لِما لَدَيكَ].
سَيِّدي، أنتَ أنقَذتَ أولِياءَكَ مِن حَيرَةِ الشُّكوكِ، وأَوصَلتَ إلى نُفوسِهِم [قلوبهم] حَبَرَةَ المُلوكِ، وزَيَّنتَهُم بِحِليَةِ الوَقارِ والهيبَةِ، وأَسبَلتَ عَلَيهِم سُتورَ العِصمَةِ وَالتَّوبَةِ، وصَيَّرتَ هِمَمَهُم في مَلَكوتِ السَّماءِ، وحَبَوتَهُم بِخَصائِصِ الفَوائِدِ وَالحِباءِ، وعَقَدتَ عَزائِمَهُم بِحَبلِ مَحَبَّتِكَ، وآثَرتَ خَواطِرَهُم بِتَحصيلِ مَعرِفَتِكَ، فَهُم في خِدمَتِكَ مُتَصَرِّفونَ، وعِندَ نَهيِكَ وأمرك [أمرك ونهيك] واقِفونَ، وبِمُناجاتِكَ آنِسونَ، ولَكَ بِصِدقِ الإِرادَةِ مُجالِسونَ، وذلِكَ بِرَأفَةِ تَحَنُّنِكَ عَلَيهِم، وما أسدَيتَ مِن جَميلِ منّكَ [مننكَ] إلَيهِم.
سَيِّدي، بِكَ وَصَلوا إلى مَرضاتِكَ، وبِكَرَمِكَ استَشعَروا مَلابِسَ مُوالاتِكَ.
سَيِّدي، فَاجعَلني مِمَّن ناسَبَهُم مِن أهلِ طاعَتِكَ، وَاجعَل مَا اعتَقَدتُهُ مِن ذِكرِكَ خالِصاً مِن شُبَهِ الفِتَنِ، سالِماً مِن تَمويهِ الأَسرارِ وَالعَلَنِ، مَشوباً بِخَشيَتِكَ في كُلِّ أوانٍ، مُقَرِّبَاً مِن طاعَتِكَ فِي الإِظهارِ وَالإِبطانِ، داخِلًا فيما يُؤَيِّدُهُ الدّينُ ويَعصِمُهُ، خارِجاً مِمّا تَبنيهِ الدُّنيا وتَهدِمُهُ، مُنَزَّهاً عَن قَصدِ أحَدٍ سِواكَ، وَجيهاً عِندَكَ يَومَ أقومُ لَكَ وأَلقاكَ، مُحَصَّناً مِن لَواحِقِ الرِّئاءِ، مُبَرَّءاً مِن بَوائِقِ الأَهواءِ، عارِجاً إلَيكَ مَعَ صالِحِ الأَعمالِ بِالغُدُوِّ وَالآصالِ، مُتَّصِلًا لا تنقَطِعُ بَوادِرُهُ، ولا يُدرَكُ آخِرُهُ، مُثبَتاً عِندَكَ فِي الكُتُبِ المَرفوعَةِ فِي عِلِّيّينَ، مَخزوناً فِي الدّيوانِ المَكنونِ الَّذي يَشهَدُهُ المُقَرَّبونَ، ولا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرونَ.
اللهم أنتَ وَلِيُّ الأَصفِياءِ وَالأَخيارِ، ولَكَ الخَلقُ وَإليكَ الاختِيارُ، وقَد ألبَستَني فِي الدُّنيا ثَوبَ عافِيَتِكَ، وأَودَعتَ قَلبي صَوابَ مَعرِفَتِكَ، فَلا تُخلِني فِي الآخِرَةِ عَن عَواطِفِ رَأفَتِكَ، وَاجعَلني مِمَّن شَمِلَهُ عَفوُكَ، ولَم تَنَلهُ سَطوَتُكَ، يا مَن يَعلَمُ عِلَلَ الحَرَكاتِ وحَوادِثَ السُّكونِ، ولا تَخفى عَلَيهِ عَوارِضُ الخَطَراتِ في مَحالِّ الظُّنونِ، اجعَلنا مِنَ الَّذينَ أوضَحتَ لَهُمُ الدَّليلَ عَلَيكَ، وَفَسَحْتَ لَهُمُ السَّبيلَ إلَيكَ، فَاستَشعَروا مَدارِعَ الحِكمَةِ، وَاستَطرَقوا سُبُلَ التَّوبَةِ، حَتّى أناخوا في رِياضِ الرَّحمَةِ، وسَلِموا مِنَ الاعتِراضِ [الأغراض] بِالعِصمَةِ، إنَّكَ وَلِيُّ مَنِ اعتَصَمَ بِنَصرِكَ، ومُجازي مَن أذعَنَ بِوُجوبِ شُكرِكَ، لا تَبخَلُ بِفَضلِكَ، ولا تُسأَلُ عَن فِعلِكَ، جَلَّ ثَناؤُكَ، وفَضُلَ عَطاؤُكَ، وتَظاهَرَتْ نَعماؤُكَ، وتَقَدَّسَت أسماؤُكَ، فَبِتَيسِيرِكَ [فَبِتَسييرِكَ] يَجري سَدادُ الامورِ، وبِتَقديرِكَ يَمضِي انقِيادُ التَّدبيرِ، تُجيرُ ولا يُجارُ مِنكَ، ولا لِراغِبٍ مَندوحَةٌ عَنكَ سُبحانَكَ لا إلهَ إلّا أنتَ، عَلَيكَ توكلت [توكلي] وإلَيكَ يَفِدُ أمَلي، وبِكَ ثِقَتي، وعَلَيكَ مُعَوَّلي، ولا حَولَ لي [عَن مَعصِيَتِكَ] إلّا بِتَسديدِكَ، ولا قُوَّةَ لي [عَلى طاعَتِكَ] إلّا بِتَأييدِكَ، لا إلهَ إلّا أنتَ سُبحانَكَ إنّي كُنتُ مِنَ الظّالِمينَ، يا أرحَمَ الرّاحِمينَ وخَيرَ الغافِرينَ، وصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيّينَ، وعَلى أهلِ بَيتِهِ الطّاهِرينَ، وأَصحابِهِ المُنتَجَبينَ وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً، وحَسُبنَا اللهُ وَحدَهُ، ونِعمَ المُعينُ.
هذا آخر ما في كتاب محمد الطبيب، وزاد في الصّحيفة الثالثة وفي البحار أيضاً، عن أنيس العابدين:
يا خَيرَ مَدعُوٍّ ويا خَيرَ مَسؤولٍ، ويا أوسَعَ مَن أَعْطَى وخَيرَ مُرتَجى، ارزُقني وأَوسِع عَلَيَّ مِن واسِعِ رِزقِكَ [وأوسع رزقي] رِزقاً واسِعاً مُبارَكاً طَيِّباً حَلالًا لا تُعَذِّبُني عَلَيهِ، وسَبِّب لي ذلِكَ مِن فَضلِكَ، إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ يا أرحَمَ الرّاحِمينَ.


١ - كذا في جميع النسخ، والظاهر الي (منه).

٢ - كذا في جميع النسخ، والظاهر تفرح (منه).

٣ - الذي وجدناه في النسخ كلها أطبقت، ولكن الظاهر أنه غلط (منه).

٤ - الأعنان من السماء نواحيها، وعنانها بالكسر ما بدا لك منها إذا نظرتها، كذا في القاموس، والذي وجدناه في جميع النسخ أعنان (منه).

٥ - كذا في النسخ، وكأنه من خيل عليه تخييلاً وتخيلاً إذا وجه التهمة اليه، كما في القاموس، ويحتمل كونه بالجيم (منه).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025

Logo

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025