الحمد لله القريب ممن دعاه، المجيب لمن ناداه، الذي إذا سأله عبد أعطاه، وإذا سكت عنه ابتداه، وصلى الله على سيدنا محمد أفضل رسل الله، وعلى آله وصحبه المهتدين، المقتبسين من أخلاقه وسجاياه، وسلم تسليما كثيراً.
وبعد، فيقول العبد الجاني محسن ابن المرحوم السّيد عبد الكريم الحسيني العاملي الشامي، تجاوز الله عن سيئاتهما وزاد في حسناتهما:
إنه لمّا اضطرني القدر إلى ترك الوطن والإقامة بدمشق الشّام، اقتضى الحال في سنة ثلاث وعشرين بعد الثلاثمائة وألف أن أنظر في صحة نسخة من الصّحيفة الثانية السّجادية، وأعلق عليها حواشي تتضمن شرح غريبها وتفسير غامضها وغير ذلك من الفوائد؛ إجابة لالتماس بعض الإخوان، وهي الصّحيفة التي جمعها الثقة الجليل المحدث، الشّيخ محمد بن الحسن بن علي بن الحسين الحر العاملي المشغري صاحب الوسائل (قدس سره) من أدعية مولانا زين العابدين وسيد الساجدين وإمام العارفين وأبي الأئمة الميامين، الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقال: (إنه جمع فيها ما وصل إليه مما نقله العلماء الأعلام من أدعيته عليه السلام، مما ليس في الصّحيفة الكاملة المشهورة).
ولم يكن عندي يومئذٍ من نسخها ما أعتمد على صحته، فرجعت إلى الكتب المتضمنة لتلك الأدعية، وفي أثناء ذلك عثرت على بعض الأدعية المروية عنه عليه السّلام مما ليس في الأولى ولا الثانية، فعزمت على أن ألحقها بالثانية لظني أنها يسيرة، فلما استقصيت التتبع وجدت من الأدعية المودعة في الكتب المعتبرة التي خلت عنها الصحيفتان شيئاً كثيراً، بحيث لو جمع لكان صحيفة كبيرة، هذا مع تبحر جامع الصّحيفة الثانية، وتصديه لجمع كل ما فات الصّحيفة الكاملة.
فعزمت بعد الاتكال عليه تعالى على جمع تلك الأدعية في صحيفة ثالثة، فجمعت منها نيفاً وسبعين دعاء قد خلت عنها الصحيفتان الأولى والثانية.
ثم علمت أن هناك صحيفة ثالثة، فاجتهدت في تحصيلها حتى عثرت عليها بتوفيقه تعالى، بعد بحث طويل وطلب في الآفاق شديد، وهي التي جمعها الفاضل المتبحر المتتبع الاميرزا عبد الله بن عيسى بن محمد صالح الأصفهاني (قدس سره) المعروف بالأفندي، صاحب رياض العلماء (1) وتلميذ العلامة المجلسي والمعاصر لصاحب الوسائل، وأورد فيها ما خلت عنه صحيفة معاصره المذكور، ولسان حاله يقول: كم ترك المعاصر للمعاصر.
وعثرت أيضاً على صحيفة رابعة جمعها الفاضل المعاصر المتبحر المتتبع المطّلع الآميرزا حسين بن محمد تقي الطّبرسي النّوري، المجاور بسامراء ثم بالمشهد المقدس الغروي حياً وميتاً صاحب مستدركات الوسائل (قدس سره)، وأورد فيها ما خلت عنه الصّحيفة الثانية والثالثة متمثلاً بالمثل السائر: كم ترك الأول للأخر.
وبعد استقراء جميع أدعية الصحيفتين المذكورتين الثالثة والرابعة، وجدتهما خاليتين عن أدعية كثيرة قد اشتملت عليها الصّحيفة التي جمعتها، فقلت: كم ترك الأول للأخر والمعاصر للمعاصر، كما وجدتها خالية من جملة الأدعية التي اشتملا عليها، فعنَّ لي أن أُفرد ما انفردت به صحيفتي عنهما وأجعله صحيفة خامسة، ثم عدلت عن ذلك..
أولاً: لئلا يذهب ما عانيته في جمع باقي الأدعية وترتيبها، وما ذكرته معها من بعض الفوائد ضياعاً.
وثانياً: ليعلم الناظر أني لم آل جهداً في التفتيش والتنقيب، وأنني وصلت بحمد الله تعالى وتوفيقه إلى أكثر ما وصلوا إليه وكثير مما لم يصلوا إليه، فيكون ذلك سبباً لدعائه لي بالمغفرة وباعثاً له على مجانبة الجبن والكسل، وموجبا للعلم بـأن كل من سار على الدرب وصل، فعولت على أن أضيف الى صحيفتي ما فاتها من صحيفتيهما، وأسميتها بالصّحيفة الخامسة وإن تضمنت الثالثة والرابعة، لكن لاشتمالها على ما ليس فيهما فارقتهما واستحقت أن تكون خامسة لرابعتهما.
فبلغ مجموع ذلك مائة وثلاثة وثمانين دعاء وندبة، منها خمسة وخمسون دعاء انفردنا بنقلها وخلت عنها كل من الصحائف الأربع، وثمانية وستون دعاء وجدناها في مجموع الصحيفتين المذكورتين وفي غيرهما، وواحد وثلاثون دعاء نقلناها من الصّحيفة الثالثة خاصة، وتسعة وعشرون دعاء نقلناها من الصّحيفة الرابعة خاصة، ومن ذلك يعلم أنا لو لم نطلع على صحيفتيهما لبلغ ما جمعناه مائة وثلاثة وعشرين دعاء مجتمعة مما انفردنا بنقله، وهو خمسة وخمسون دعاء، وما وجدناه في مجموع الصحيفتين وفي غيرهما وهو ثمانية وستون دعاء، وهو يزيد كثيراً عما في كل واحدة من الصحائف الثلاثة بانفرادها، وبذلك يعلم فضل صحيفتي عليها اللهم إلّا الصّحيفة الثالثة التي لم يعلم مقدار ما وصل إليه تتبع جامعها؛ لنقصان نسختها كما ستعرف.
ولم نألُ جهداً في التنقيب والتفتيش في مظان ذلك، وفي الجمع بين النّسخ المختلفة بحسب الوسع والطّاقة، كما لم نأل جهداً في ترتيب الأدعية بالتّقديم والتّأخير، ووضع كل دعاء مع مناسبه وقد أهملا ذلك في صحيفتيهما، ولم يكن يدور في خلدي أو يخطر ببالي أن يتيسر لأحد الاستدراك على هؤلاء الفضلاء الثلاثة، الذين امتازوا عن أهل عصرهم بالتّتبع والتّبحر والاطلاع، بل لم يكن لهم شغل طول عمرهم سوى ذلك.
ومن العجيب أنني وجدت كثيراً من الأدعية في الكتب المشهورة المتداولة التي كانت عندهم نسخها يقيناً ونقلوا عنها، وحسبك بصاحب الصّحيفة الثالثة الذي كان قليل النظير في الحفظ والتتبع ومعرفة التصانيف والمصنفين، وكانت تعرض عليه الأوراق من الكتب المجهولة التي ذهب أولها وأخرها، فيميزها ويعرف أنها من أي كتاب، وقد قضى نحواً من نصف عمره في السياحة، ودخل أكثر البلاد وهو في كل ذلك يتصفح الكتب ويتتبعها، بل وصاحب الصّحيفة الرابعة الذي عاصرناه وشاهدناه ولم نرَ ولم نسمع بنظيره في عصره في التتبع والتصفح وجمع الكتب العزيزة الوجود، والبحث والتنقيب عن أثار أهل البيت عليهم السلام طول عمره، بحيث لم يكن له شغل سوى ذلك حتى بلغ سن الشّيخوخة.
وقد تعاقبوا على مقصد واحد، واجتهد كل لاحق في أن يصل الى مالم يصل إليه السابق، حتى منَّ الله عليّ بأفضل مما أدركوا وسهل لي الوصول إلى أصعب مما إليه وصلوا، فإن جمع مقدار من هذه الأدعية قبل أن تُمد إلى ذلك يد أهون من الزيادة عليها، والزيادة عليها قبل تتابع الأفكار وتعاقب الأنظار أهون منها بعد ذلك كما لا يخفى.
ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فأنا أشكره على فضله وكرمه، وأقول ما قلت تحدثاً بنعمه: على أني لست من فرسان هذا المجال، ولكن الله تعالى أمر سفينة نوح عليه السلام فاستوت على أصغر الجبال.
وقد قال صاحب الصّحيفة الرابعة: (لولا المثل السائر كم ترك الأول للآخر، لما بقي -بعد جهد هذين العالمين المتبحّرين (يعني الحرّ العاملي والفاضل الاصفهاني قدس سرهما) وما كان لهما من الكتب والأعوان- ما يلتقطه مثلي القاصر الفاقد للأعوان، المبتلى بشر الأزمان في شرّ البلدان من مساكن اهل الأيمان) ، انتهى. فإذا كان هذا قوله رحمه الله وشكواه من فقد الأعوان ومن البلد والزمان مع ما كان عليه من سعة الحال، فما الذي يقوله مثلي يا ترى؟!
هذا، ولست أدعي الإحاطة بجميع الادعية المأثورة عنه عليه السلام، بل ربما يكون ما فات منّي أكثر مما وصل إليّ، وقد يتيسر لمن يأتي بعدي أن يزيد على ما جمعته، كما تيسر لي أن أزيد على جمع من تقدمني، فإن علوم آل محمد عليهم الصلاة والسلام لا تحصى ومآثرهم لا تستقصى، كيف وهي مأخوذة من مدينة العلم النبوي ومستمده من منبع الفيض الإلهي، ولعلّ ما خفي منها عنّا أكثر مما وصل إلينا. وعبادة زين العابدين عليه السلام ودعواته ومناجاته يعجز القلم عن إحصائها، وقد قال صاحب الصّحيفة الثالثة: (إن أكثر كتب الأدعية والأعمال وخاصة من روايات قدماء أصحابنا قد تلفت، وما وصل إلينا منها أثر ولا عين، فكيف ندعي الحصر والإحصاء؟)(٢). ثم قال: (إلّا أنّي قد بذلت نهاية مقدرتي وجهدي.. إلخ) (٣)، انتهى.
هذا، وأرجو ممن انتفع بهذا المجموع أن يشركني ووالدي في صالح دعائه، ولا ينساني من الدّعاء والتّرحم والاستغفار في مظان الإجابة، وأسأل الله تعالى أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وحجاباً بيني وبين النار الجحيم، وان ينفعني به وذريتي وأخواني المؤمنين، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقبل الشّروع في المقصود لا بد من بيان أمور:
الأول: أن صاحب الصّحيفة الثّالثة قد استدرك على معاصره الحر العاملي في أمرين:
أحدهما: ظنُهُ أنه لم يسبقه الى ذلك أحد من العلماء، فقال: (إنه قد سبقه إليه بعض علمائنا المتأخرين، كما أوردنا ترجمته في كتاب رجالنا رياض العلماء فليلاحظ)(٤).
ثانيهما: ظنُهُ أنه قد أوردَ جميع ما فات الصّحيفة الكاملة، فقال: إنه (قد وجدنا أدعية كثيرة من جملة أدعيته صلوات الله عليه في أماكن متفرقة ومواطن متبددة، غير مذكورة في الصّحيفة الأولى المشهورة المتداولة ولا في الصّحيفة الثّانية) (٥)، قال: (ونظير ذلك ما اعتقده في كتابه الموسوم بالجواهر السنية في الأحاديث القدسية، أنه أحاط بجميع الأحاديث ولم يسبقه أحد إليه، ولكن قد صنَّف بعض الأصحاب قبله مثله وزاد عليه بكثير، ومع ذلك لم يحط هو ولا هذا الشّيخ المعاصر بجميع ما ورد من الأحاديث القدسية، كما لا يخفى على من تتبع) (٦)انتهى.
الثاني: قد أوردَ صاحب الصّحيفة الثالثة [في] صحيفته عناوين ولم يذكر أدعيتها، فمن ذلك الأدعية الواردة في أعقاب نوافل الجمعة، فإنه أورد عنوانها في أخر صحيفته، فقال: (وكان من دعائه (عليه السلام)
في أعقاب صلوات نوافل الجمعة، الأول: عقيب الركعتين من ثمان عشرة ركعة) (٧)، وأورد الدّعاء ثم لم يذكر غيره كما سيأتي.
وأورد أيضاً ثلاثة عناوين في الفهرست وفي أثناء الصّحيفة ولم يذكر أدعيتها، وهي: دعاؤه عليه السلام لإنجاح المآرب، دعاؤه عليه السلام في اليقظة، دعاؤه عليه السلام للضرورة.
حتى أنه عند ذكره لدعاء إنجاح المأرب قال: (على ما وجدته في كتاب الدّعاء للسيد الداماد قدس سره، وما في كتاب (الدّعاء) لسبطه الآميرزا حسيب) (٨)ولم يذكر الدّعاء.
وقال عند ذكر أدعية الأسبوع ما لفظه: (وكان من دعائه (عليه السلام)[وتسبيحه وعوذته] في الأيام السبعة) (٩)، ولم يذكر دعاء يوم السبت، كما ستعرف إن شاء الله تعالى.
وذكر أيضاً بعد المناجاة المختصرة -التي أولها: (إلهي إن كنت قد عصيتك) - ما لفظه: (أقول: قد سبق قريب من هذا الدّعاء في جملة أدعيته عليه السلام في مسجد الكوفة.. الخ) (١٠) ، مع أنه لم يسبق للدعاء في مسجد الكوفة ذكر أصلاً.
ثم ذكر بعد ذلك بثمانية أوراق بعد الدّعاء الذي عنوانه: (وكان من دعائه عليه السّلام في التضرع إلى الله تعالى) -وأوله: (أن كنت قد عصيتك فقد أطعتك في الأيمان.. الخ) - ما لفظه: (أقول: سيأتي ما يقرب من هذا الدّعاء في جملة أدعيته عليه السّلام في مسجد الكوفة، ولكن لما كان بينهما اختلافات شديدة جداً؛ فلذلك قد أوردناه هنا أيضاً مرة أخرى فلا تغفل) (١١)، مع أنه لم يذكر بعد هذا أدعية له عليه السّلام في مسجد الكوفة، ولا ذكر الدّعاء الذي وعد به. وكيف قال أولاً: (على ما سبق)، وبعده بثمانية أوراق [قال]: (على ما سيأتي). وسننبه على ذلك إن شاء الله تعالى عند ذكر تلك المناجاة ودعاء التّضرع المذكور، وعند ذكر دعاء مسجد الكوفة المشار إليه.
هذا كله على ما وجدناه في النّسخة الّتي وصلت إلينا، ونُقلتْ عن نسخة وجدناها في خزانة كتب الفاضل المعاصر صاحب الصّحيفة الرابعة (قدس سره) وعليها تعليقات بخط يده الشريف، وذكر أنه لم يعثر على غيرها، وهذا كله يدل على أن الصّحيفة الثالثة لم تكن كاملة، فالظاهر أن الأجل قد حال دون إكمالها، أو أن النسخة الواصلة إلينا ناقصة، ويدل أيضاً على اختلال ترتيبها.
ومن هنا يظهر: أن الاستدراك على صاحب الصّحيفة الثالثة غير معلوم؛ للعلم -مما عرفت- بعثوره على أدعية لم تذكر في نسخة صحيفته التي وصلت إلينا وإلى صاحب الصّحيفة الرابعة، مثل أدعية إنجاح المآرب، واليقظة، والضرورة، فكل دعاء يستدرك عليه يحتمل عثوره عليه وإن لم يذكر في نسخة صحيفته؛ لكونها ناقصة كما عرفت، وأن كان المظنون بحسب العادة أنه لا بد أن يكون قد فاته بعض ما استدرك عليه.
الثالث: إذا كان الدّعاء مما انفردنا بنقله ولم يكن موجوداً في إحدى الصّحيفتين (الثّالثة والرّابعة)، فنقول بعد ذكر عنوانه: (وهو مما انفردنا به) أو نحو ذلك، وإن كان مما نقلناه عن إحدى الصّحيفتين ولم نعثر عليه في غيرهما، فنقول بعد ذكر عنوانه: (كما في الصّحيفة الثّالثة) أو (كما في الصّحيفة الرّابعة)، وإن كان مما وجدناه في غيرهما ووجدناه في أحدهما أيضاً، فنقول بعد ذكر عنوانه: (كما عثرنا عليه في كتاب كذا)، و(وجدناه في الصّحيفة الثّالثة والرّابعة) أو نحو ذلك، فإن لم يحضرني اسم الكتاب الذي نقلت منه، أقول: (كما عثرنا عليه أولاً ثم وجدناه في الصّحيفة الفلانية).
الرابع: اعلم أني حين جمعي لهذه الأدعية لم أكن أتعرض أولاً لأسانيدها وللكتب المأخوذة منها غالباً، مع أني وجدت كثيراً منها متكرراً في الكتب؛ طلباً للاختصار كما فعل صاحب الصّحيفة الثّانية، مع عدم فائدة مهمة في ذلك لسهولة الأمر في المستحبات ولا سيما الدّعوات، مع أن إرسالها في كتاب المتأخر لا يقصر عن إرسالها في كتاب المتقدم.
ولنعم ما قال صاحب الصّحيفة الثّالثة في أثناء كلام له في خطبتها: (إن أهل عصرنا لم يعتمدوا على مراسيل أمثالنا إلّا وقد بليت عظامنا وطال زمان وفاتنا) انتهى، وفيه إشارة الى أن ما يرسله المعاصر لا يقصر عما يرسله المتقدم مع تساويهما في الوثاقة، إلّا أن أهل كل عصر قد طبعوا على استحقار معاصريهم، ولا يظهر فضل الرجل غالباً إلّا بعد موته، بل تقادم العهد لوفاته.
ولكنه مع ذلك قد نقم على صاحب الصّحيفة الثانية عدم ذكره لمأخذ الأدعية التي نقلها، الموجب لخروجها عن حد المسانيد ودخولها في المراسيل؛ ولذلك هو أشار عند ذكر كل دعاء إلى الكتاب الذي أخذه منه لكنه كثيراً ما يهمل ذكر الأسانيد، ولعل بعضها لم يكن مسنداً في الكتب التي نقل عنها.
ولمّا عثرت على كلامه هذا عزمت على ذكر الأسانيد وأسماء والكتب التي نقلت عنها؛ تفصياً عن مثل هذا الاعتراض، ولعدم خلو ذلك من فائدة، فجريت على ذلك فيما لم أكن جمعته بعد، وبذلت الجهد في التفتيش والمراجعة للكتب التي كانت نقلت عنها، وذكر أسمائها والأسانيد المذكورة فيها أن كان الدّعاء فيها مسنداً، سواء كان الدّعاء مما انفردت به أو شاركني فيه إحدى الصفحتين، فأذكر السند بحسب ما وقفت عليه، وأذكر ما وجدته من سنده في أحدهما، إلّا يسيراً من الأدعية لم يتيسر لي ثانياً العثور على الكتاب الذي كنت نقلتها منه.
الخامس: قال الفاضل الأصفهاني في ديباجة صحيفته، ما حاصله: (إن أدعية مولانا زين العابدين عليه السلام على كثرتها قد امتازت عن أدعية باقي المعصومين عليهم السلام، بما فيها من أفانين التّضرعات وإظهار التّذلل والمسكنة لله تعالى مما ليس في غيرها)(١٢).
وقال: (إن الله تعالى قد خص كل واحد منهم عليهم السلام بميزة وخصوصية لا توجد في غيره، كالشجاعة في أمير المؤمنين وابنه الحسين عليهما السلام، والرقة والتفجع والتذلل في أدعية زين العابدين عليه السلام، سيما أدعية الصّحيفة الكاملة المعروفة بين أصحابنا الإمامية تارة بزبور آل محمد، وأخرى بإنجيل أهل البيت عليهم السلام، فأنها امتازت عن سائر أدعيته عليه السلام بأنواع الفضائل، وشهدت ألفظها بصحة نسبتها وظهور الفصاحة والبلاغة والهيبة في أدعية أمير المؤمنين عليه السلام، وظهور آثار العلوم في الباقر والصادق عليهما السلام) (١٣)انتهى. مع تغيير وتهذيب واختصار فتأمل فيه.
فإن منبع علومهم عليهم السلام واحد، وطينتهم واحدة، وكلهم من نور واحد، وكلامهم متقارب، وحالهم متناسب كما يعرف ذلك الممارس، بل هو مقتضى أصول أصحابنا من الاعتقاد بكونهم في أعلى درجات الكمال، وظهور الشجاعة في أمير المؤمنين وولده الحسين عليهما السلام لوجود مظهرها، ولعل هذا هو مراده، وظهور علوم الصادقين عليهما السلام لخفة التقية؛ بسبب كونهم في آخر الدولة الأموية وأول الدولة العباسية وغيره من الأسباب، فما يظنه بعض الناس مما يشبه ما قاله هذا الفاضل ما أظنه إلّا كلام قشري.
السادس: قال الفاضل المذكور: (إن عمدة ما دعاه لجمع الصّحيفة الثالثة إنما هو جمع الأحد وعشرين دعاء التي سقطت من نسخة الصّحيفة الكاملة المشهورة) (١٤)؛ وذلك أن عدد أدعية السّجادية المباركة المتداولة على ما هو الموجود الآن فيها برواية محمد بن أحمد بن مسلم المطهري المعروفة برواية المطهري، سوى ما يوجد في أكثر نسخ ملحقات الصّحيفة الكاملة السّجادية، إنما هو بقدر أربعة وخمسين دعاء، مع أن المذكور أولاً في ديباجة نسخ الصّحيفة المتداولة من عدد أدعيتها مجملاً هو خمسة وسبعون دعاء.
ثم أنه بعد ذلك قال المتوكل بن هارون الراوي للصّحيفة السّجادية المشهورة ثانياً -كما هو مذكور في أولها-: (إنه قد سقط مني أحد عشر دعاء وحفظت منها نيفاً وستين دعاء).
وعلى هذا، فقد سقط من تلك الأدعية الباقية المذكورة عشرة أخرى، قال: (وهو عجيب) (١٥)، فيكون مجموع الساقط أحد وعشرين دعاء، فهذه هي التي اهتم بجمع الصّحيفة الثالثة لأجلها، حيث أنه قد عثر على جلّها أو كلها في أثناء سياحته في البلاد، وقال: (إنه قد يظن أن هذه الأدعية المعروفة المذكورة في مطاوي ملحقات نسخ الصّحيفة الكاملة الشّائعة من جملة تلك الأدعية السّاقطة عن أصل الصّحيفة المتداولة المشهورة والله تعالى يعلم) (١٦)انتهى.
ومع ذلك قد سقط منه ثلاثة أدعية من الأحد وعشرين المشار إليها، ذكر عناوينها ولم يذكرها كما عرفت أنفاً، بل عدَّ من جملة الأحد وعشرين الذّيل الذي وجده للدّعاء، الذي عنوانه: (إذا عرضت له مهمة) وهو السّابع من الصّحيفة الكاملة المشهورة، وهو ليس دعاء مستقلاً محسوباً من جملة الأحد وعشرين، بل هو جزء من الدّعاء المذكور، فيكون السّاقط منه حينئذٍ أربعة من الأحد وعشرين والمذكور سبعة عشر.
وقال إنه: (اطلعت على نسخ من الصّحيفة الكاملة السّجادية بطرق أخرى غير مشهورة، تربو على العشرة الكاملة سوى الطريق المعروف للصّحيفة المتداولة، وفيها من تلك الأدعية الأحد وعشرين).
قال: (ومن جملة ذلك عدة روايات لها من القدماء:
كرواية محمد بن الوارث، عن الحسين بن أشكيب الثّقة الخراساني من أصحاب الهادي والعسكري عليهما السلام، عن عمير بن هارون المتوكل البلخي، التي رأينا نسخة عتيقة منها بخط ابن مقلة الخطاط المشهور، الذي هو واضع خط النّسخ في زمن الخلفاء العباسية، وناقله عن الخط الكوفي.
ورواية ابن أشناس البزار العالم المشهور.
ورواية الشّيخ الفقيه أبي الحسن محمد بن أحمد بن علي بن الحسن ابن شاذان، عن ابن عياش الجوهري، فإنه يروي في صحيفته عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن بن أيوب بن عياش الجوهري الحافظ ببغداد في داره على الصراط بين القنطرتين، عن أبي محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، ابن أخي طاهر العلوي، عن أبي الحسن محمد بن المطهر الكاتب، عن أبيه، عن محمد بن شلقان المصري، عن علي بن النعمان الأعلم، الى أخر ما في سند الصّحيفة المشهورة.
ورواية ابن عياش الجوهري أيضاً.
ورواية الوزير أبي القاسم الحسين بن علي المغربي.
ورواية الرهتي (١٧) الكرماني الزماشيري.
وروايات أخر من المتأخرين أيضاً، كرواية الكفعمي في أواخر البلد الأمين وغيره في غيره، إلى غير ذلك من أمثال هؤلاء الأكابر).
قال: (ثم أنه قد كان بين أكثرها وبين النسخة المتداولة المشهورة من الصّحيفة الكاملة اختلافات كثيره في الديباجة، وفي عدد الأدعية، وفي ترتيب الأدعية، وفي ألفاظها وعباراتها، وفي كثير من فقراتها أيضاً بالزيادة والنقصان وفي التقديم والتأخير).
قال: (وكذلك قد وجدنا أيضاً في بعض مطاوي كتب أصحابنا كثيراً من الأدعية المنقولة عن الصّحيفة السّجادية المشهورة، ولكن مع أنواع من التفاوت والاختلافات في العبارات والفقرات، بل تعداد الأدعية أيضاً..) الى أخر ما ذكر.
السابع: حيث كان المقصد الأهم لصاحب الصّحيفة الثالثة من جمعها، إنما هو ذكر الأحد وعشرين دعاء السّاقطة من الصّحيفة الكاملة المشهورة، فقد أورد لهذه الأحد وعشرين دعاء فهرستاً قبل الشّروع في ذكرها، ثم صدّر صحيفته بها على الترتيب الذي ذكره في الفهرست وأتبعها بباقي الأدعية.
ولمّا كان المذكور منها في الحقيقة سبعة عشر دعاء لا غير كما عرفت في الأمر السادس، ونحن لم نذكرها على الترتيب الذي ذكره، أشرنا عند ذكر كل دعاء منها إلى أنه من جملة الأحد وعشرين السّاقطة من الصّحيفة الكاملة.
الثامن: اعلم أن أكثر ما جمعناه في هذه الصّحيفة الشريفة نقلناه من كتب معتبره معتمدة، ومع ذلك فإن له منه عليه شواهداً (١٨)، فإن بلاغة ألفاظه وعلو مضامينه أقوى شاهد على صحة نسبته، وبعضه ليس بهذه المثابة، وبعضه في النّفس منه شيء كما يظهر للناقد البصير، لكنا حيث لم نقطع بعدم صحة نسبته لم يكن لنا عذر في تركه، فأثبتناه جاعلين عهدته على ناقله مع سهولة الأمر؛ لعدم ترتب حكم شرعي، ورجاء حصول الثواب الداعي به، ولكنا قد عثرنا على غير واحدة من المناجاة المنظومة مما قطعنا بفساد نسبتها إليه عليه السلام؛ لركاكة ألفظها بحيث لا يرضى من له أقل تمييزٍ بنسبتها إلى نفسه، فكيف يحتمل صدورها من منبع الفصاحة والبلاغة؟! ومع ذلك ففي بعضها لحن وإيطاء، وفي بعضها إيطاء.
فمن ذلك المناجاة التي أوردها صاحب الصّحيفة الرابعة، نقلاً عن خط بعض العلماء، وأولها:
ألم تسمع بفضلك يا منائي * دعاء من ضعيف مبتلاء؟
إلى تمام تسعة أبيات كلها من هذا القبيل، وروى بيتين منها لفظة (الخطاء)بالمد التي جمعت بين الخطأ والإيطاء، وروى بيتين لفظة (رجائي).
ومنه، المناجاة التي أوردها هو، نقلاً عن خط بعض العلماء أيضاً، وأولها:
إليك يا رب قد وجهت حاجاتي * وجئت بابك يا رب بحاجاتي
إلى تمام أحد عشر بيتاً كلها متساوية في الركاكة، وروى البيت الثالث أيضاً لفظ (حاجاتي)، وبعض شطورها هكذا: (أنت العليم بما يحوي الضمير به)، وبعضها هكذا: (وارحم ذنوبي بما أخطأت وارحمني)، وعذر صاحب الصّحيفة الرابعة في إيرادهما، عدم كمال معرفته باللسان العربي.
ومنه، المناجاة التي وجدناها في كتاب محمد الطبيب، ولم يذكرها أحد من أهل الصحائف، وأولها:
أجلّك عن تعذيب مثلي على ذنب * ولا ناصر لي غير نصرك يا رب
إلى تمام خمسة عشر بيتاً، يستحي من له أقل معرفة من نسبتها إليه؛ لصدورها ممن لا يحسن علم العربية، ولا يعرف معنى الفصاحة والبلاغة، وفيها:
أنا عبدك المحقور في عظم شأنكم.
وتقلبتني من ظهر آدم نطفة * أخدر في قرع صريح من الصلب
فأخرجتني من ضيق قعر بمنكم
فحشاك في تعظيم شأنك والعلى * تعذب محقوراً بإحسانكم ربي
لأنّا رأينا في الأنام معظماً * تجلى عن المحقور في الحبس والضرب
الى غير ذلك من أمثال هذه الهذيانات.
١ - هو كتاب في الرِّجال والتّراجم سماه رياض العلماء وحياض الفضلاء، ذكر فيه أحوال علمائنا من زمن الغيبة الصّغرى إلى زمانه -وهو سنة تسع عشرة بعد الألف ومائة- في عشر مجلدات لم تخرج الى البياض، وهو كتاب نفيس على ما يظهر، استعان به أكثر من صنف بعده في هذا الباب، وله غيره مصنفات كثيرة وتعليقات ولكنها تلفت، وجرى بينه وبين شريف مكة المكرمة منافرة بالحجاز، فذهب الى القسطنطينية وتقرب الى السّلطان حتى توصل إلى عزل الشّريف ونصَّب غيره، ومن يومئذٍ عُرف بالأفندي (منه عفى عنه).
٢ - الصحيفة السجادية الثالثة: ٢٥.
٣ - المصدر نفسه.
٤ - الصحيفة السجادية الثالثة: ٢٥. باختلاف يسير.
٥ - الصحيفة السجادية الثالثة: ١٩٣.
٦ - الصحيفة السجادية الثالثة: ٦٧.
٧ - الصحيفة السجادية الثالثة: ١٧٩. وما بين المعقوفين من المصدر.
٨ - الصحيفة السجادية الثالثة: ١٣٤.
٩ - الصحيفة السجادية الثالثة: ١٤٤.
١٠ - للعاصي
١١ - للعاصي
١٢ - ينظر الصحيفة السجادية الثالثة: ٢٣.
١٣ - ينظر الصحيفة السجادية الثالثة: ٢٣-٢٤.
١٤ - ينظر الصحيفة السجادية الثالثة: ٢٩.
١٥ - ينظر الصحيفة السجادية الثالثة: ٢٩.
١٦ - المصدر نفسه.
١٧ - بالتاء المثناة من فوق أو النون.
١٨ - كذا بالمطبوع، والأصح شواهد بدون تنوين.