دعائه (عليه السلام) في يوم عرفة

رقم الموضوع: ١٤٧
وهو مما انفردنا به، رواه ابن طاووس في الإقبال، قال: هو دعاء مشتمل على معاني الربوبية وأدب العبودية مع الجلالة الإلهية:
الَلَّهُمَّ إِنَّ ملائِكَتَكَ مُشْفِقُونَ مِنْ خَشْيَتِكَ، سَامِعُوْنَ مُطِيْعُوْنَ لَكَ، وَهُمْ بِأَمْرِكَ يَعْمَلُوْنَ لَا يَفْتُرُوْنَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يُسبحُونَ، وَأَنَا أَحَقُّ بِالْخَوْفِ الدَّائِمِ لِإسَاءَتِيْ عَلى نَفْسِيْ تَفْرِيْطِهَا إِلى اقْتِرَابِ أَجَلِي، فَكَمْ لِي يَا رَبِّ مِنْ ذَنْبٍ أنَا فِيْهِ مَغْرُوْرٌ مُتَحِيِّرٌ؟!
الَلَّهُمَّ إِنِّي قَدْ أَكْثَرْتُ عَلَى نَفْسِيْ مِنَ الذُّنُوْبِ وَالْإِسَاِءَةِ، وَأَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنَ المُعَافَاةِ، سَتَرْتَ عَلَيَّ وَلَمْ تَفْضَحَنِي بِمَا أَحْسَنْتَ لِيْ النَّظَرَ وَأَقَلْتَنِيْ الْعَثْرَةَ، وَأَخَافُ أَنْ أَكُوْنَ فِيهَا مُسْتَدْرَجَاً، فَقَدْ يَنْبَغِيْ لِيْ أَنْ أَسْتَحْيِيَ مِنْ كَثْرَةِ مَعَاصِيَّ، ثُمَّ لَمْ تَهْتِكْ لِيْ سِتْرَاً، وَلَمْ تُبْدِ لِي عَوْرَةً، وَلَمْ تَقْطَعْ عَنِّيْ الرِّزْقَ، وَلَمْ تُسَلِّطْ عَلَيَّ جَبَارَاً، وَلَمْ تَكْشِفْ عَنِّيْ غِطَاءً، مُجَازَاةَ لذُنُوْبِيْ تَرَكْتَنِيْ كَأنِي لَا ذَنْبَ لِيْ، كَفَفْتَ عَنْ خَطِيْئَتِي وَزَكْيِتَنِيْ بِمَا لَيْسَ فِيَّ أَنَا أُقِرُّ عَلَى نَفْسِيْ بِمَا جَنَتْ عَلَيَّ يَدَايَ، وَمَشَتْ إِلَيْهِ رِجَلَايَ، وَبَاشَرَ جَسَدِيْ وَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ عَيْنَايَ، وَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَعَمِلَتْهُ جَوَارِحِيْ، وَنَطَقَ بِهِ لِسَانِيْ، وَعُقِدَ عَلَيْهِ قَلْبِيْ، فَأَنَا الْمُسْتَوْجِبُ يَا إِلهِي زَوَالَ نِعْمَتِكَ، وَمُفَاجَاةَ نِقْمَتِكَ، وَتَحْلِيْلَ عُقُوْبَتِكَ، لَمَا اجْتَرَأَتُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِيْكَ، وَضَيَّعْتُ مِنْ حُقُوْقِكَ، أَنَا صَاحِبُ الذُّنُوبِ الكَثيرَةِ الكبيرَةِ الَّتِي لَا يُحْصَى عَدَدُهَا، وَصَاحِبُ الجُرْمِ الْعَظِيْمِ، أَنَا الَّذِي أَحْلَلْتُ الْعُقُوْبَةَ بِنَفْسِي وَأَوْبَقْتُهَا بِالمَعَاصِيْ جُهْدِيْ وَطَاقَتِيْ وَعَرَّضْتُهَا لِلْمَهَالِكِ بِكُلِّ قُوَّتِيْ.
الَلَّهُمَّ أَنَا الَّذِيْ لَمْ أَشْكُرْ نِعَمَكَ عِنْدَ مَعَاصِيَّ إِيَّاكَ، وَلَمْ أَدَعْهَا فِيْكَ عِنْدَ حُلُوْلِ الْبَلِيَةِ، وَلَمْ أَقِفْ عِنْدَ الهَوى وَلَمْ أُرَاقِبْكَ.
يَا إِلَهِي أَنَا الَّذِيْ لَمْ أَعْقِلْ عِنْدَ الذُّنُوبِ نَهْيَكَ، وَلَمْ أُرَاقِبْ عِنْدَ اللَّذَاتِ زَجَرَكَ، وَلَمْ أَقْبَلْ عِنْدَ الشَّهْوَةِ نَصِيْحَتَكَ، رَكِبْتُ الجَهَلَ بَعْدَ الحِلْمِ، وَغَدَوْتُ إِلى الظُّلْمِ بَعْدَ الْعِلْمِ.
الَلَّهُمَّ فَكَمَا حَلُمْتَ عَنِّيْ فِيْمَا اِجْتَرَأَتُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِيْكَ، وَعَرَفْتَ تَضْيِيْعِيْ حَقَكَ وَضَعْفِيْ عَنْ شُكْرِ نِعْمَتِكَ، وَرُكُوْبِي مَعْصِيَتَكَ. الَلَّهُمَّ إِنِّي لَسْتُ ذَا عُذْرٍ فَأَعْتَذِرَ، وَلاَ ذَا حِيْلَةٍ فَأَنْتَصِرَ.
الَلَّهُمَّ قَدْ أَسَأْتُ وَظَلَمْتُ، وَبِئْسَ مَا صَنَعْتُ، عَمِلْتُ سُوْءَاً وَلَمْ تَضُرَّكَ ذُنُوْبِيْ، فَأَسْتَغْفِرُكَ يَا سَيدِيْ وَمَوْلَايَ، وَسُبْحَانَكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ.
الَلَّهُمَّ إنَّكَ تَجِدُ مَنْ تُعَذِّبْهُ غَيْرِيْ، وَلَا أَجِدُ مَنْ يَرْحَمْنِيْ سِوَاكَ، فَلَوْ كَانَ لِيْ مَهرَبٌ لهَرَبْتُ، وَلَوْ كَانَ لِيْ مَصْعَدٌ فِيْ السَّمَاءِ أَوْ مَسْلَكٌ فِيْ الْأَرْضِ لَسَلَكْتُ، وَلَكِنَّهُ لَا مَهْرَبَ لِيْ وَلَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا وَلَا مَأْوَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ.
الَلَّهُمَّ إِنْ تُعَذِّبْنِيْ فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنَا، وَإِنْ تَرْحَمْنِيْ فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتَ، بِمنِّكَ وَفَضْلِكَ وَوَحْدَانِيَتِكَ وَجَلَالِكَ وَكَبْرِيَائِكَ وَعَظَمَتِكَ وَسُلْطَانِكَ، فَقَدِيْمَاً مَا مَنَنْتَ عَلَى أَوْلِيَائِكَ وَمُسْتَحِقِّيْ عُقُوْبَتِكَ بِالعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ، سَيدِيْ عَافِيَةَ مَنْ أَرْجُوْ إِذَا لَمْ أَرْجُ عَافِيَتَكَ؟ وَعَفْوَ مَنْ أَرْجُوْ إِذَا لَمْ أَرْجُ عَفْوَكَ؟ وَرَحمَةَ مَنْ أَرْجُوْ إِذَا لَمْ أَرْجُ رَحْمَتَكَ؟ وَمَغْفِرَةَ مَنْ أَرْجُو إِذَا لَمْ أَرْجُ مَغْفِرَتَكَ؟ وَرِزْقَ مَنْ أَرْجُو إِذَا لَمْ أَرْجُ رِزْقَكَ؟ وَفَضْلَ مَنْ أَرْجُو إِذَا لَمْ أَرْجُ فَضْلَكَ؟

سَيِّدِيْ، أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنَ النِّعَمِ وَأَقُلَلْتُ لَكَ مِنَ الشُّكْرِ، فَكَمْ لَكَ عِنْدِيْ مِنْ نِعْمَةٍ لَا يُحْصِيْهَا أَحَدٌ غَيْرُكَ؟ مَا أَحْسَنَ بَلَائَكَ عِنْدِي! وَأَحْسَنَ فِعَالَكَ! أَتَيْتُكَ مُسْتَغِيثَاً مُسْتَصْرِخَاً فَأَغِثْتنِي، وَسَأَلْتُكَ عَائِلَاً فَأَغْنَيْتَنِيْ، وَنَأَيْتُ فَكُنْتَ قَرِيْبَاً مُجِيْبَاً، وَاسْتَعَنْتُ بِكَ مُضطَرَاً فَأَعَنْتَنِيْ وَوَسَّعْتَ عَلَيَّ، وَهَتَفْتُ إِلَيْكَ فِيْ مَرَضِيْ فَكَشَفْتَهُ عَنِّيْ، وَانْتَصَرْتُ بِكَ فِي رَفْعِ الْبَلَاءِ فَوَجَدتُكَ يَا مَوْلايَ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيْرُ، وَكَيْفَ لَا أَشْكُرُكَ يَا إِلَهِيْ؟! أَطْلَقْتَ لِسَانِيْ بِذِكْرِكَ رَحْمَةً لِيْ مِنْكَ، وَأَضَأْتَ لِيْ بَصَرِيْ بِلُطْفِكَ حُجَّةً مِنْكَ عَلَيَّ، وَسَمِعَتْ أَذْنَايَ بِقُدْرَتِكَ نَظَرَاً مِنْكَ، وَدَلَلْتَ عَقلِيْ عَلَى تَوْبِيْخِ نَفْسِيْ إِلَيْكَ أَشْكُوْ ذُنُونِي، فَإِنَّهُ لَا مَجْرَى لِبَثِهَا إِلَّا إِلَيْكَ، فَفَرِّجْ عَنِّيْ مَا ضَاقَ بِهِ صَدْرِيْ، وَخَلِصْنِيْ مِنْ كُلِّ مَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِيْ مِنْ أَمْرِ دِيْنِيْ وَدُنْيَايَ وَأَهْلِيْ وَمَالِيْ، فَقَدْ اسْتَصْعَبَ عَلَيَّ شَأْنِيْ، وَ شُتِّتَ عَلَيَّ أَمْرِيْ، وَقَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى هَلِكَتِيْ نَفْسِيْ، وَإِذَا تَدَارَكْتَنِيْ (١) مِنْكَ بِرَحْمَةٍ تُنْقِذُنِيْ بِهَا، فَمَنْ لِيْ بَعْدَكَ يَا مَوْلاَيَ؟

أَنْتَ الْكَرِيمُ العَوَّادُ بِالمَغْفِرَةِ، وَأَنَا اللَّئيْمُ الْعَوَّادُ بِالمَعَاصِيْ، فَاحْلُمْ يَا حَلِيْمُ عَنْ جَهْلِيْ، وَأَقِلْنِيْ يَا مُقِيْلُ عَثْرَتِيْ، وَتَقَبَّلْ يَا رَحِيْمُ تَوْبَتِيْ. سَيِّدِيْ وَلَا بُدَّ مِنْ لِقَائِكَ عَلَى كُلِّ حَاَلٍ، وَكَيْفَ يَسْتَغْنِيْ العَبْدُ عَنْ رَبِّهِ؟ وَكَيْفَ يَسْتَغْنِيْ الْمُذْنِبُ عَمَّنْ يَمْلِكُ عُقُوْبَتهُ وَمَغْفِرَتَهُ؟
سَيِّدِيْ لَمْ أَزْدَدْ إِلَيْكَ إِلَّا فَقْرَاً، وَلَمْ تزْدَهْ عَنِّي إِلَّا غِنَى، وَلَمْ تزْدَدْ ذُنُوْبِي إِلَّا كَثْرَةً، وَلَمْ يَزْدَدْ عَفْوُكَ إِلَا سَعَةً.
سَيِّدِيْ ارْحَمْ تَضَرُّعِي إِلَيْكَ، وَانْتِصَابِيْ بَيْنَ يَدِيْكَ، وَطَلَبِي مَا لَدِيْكَ تَوْبَةً فِيْمَا بَيْنِيْ وَبَيْنَكَ.
سَيِّدِيْ مُتَعَوِّذَاً بِكَ مُتَضَرِّعَاً إِلَيْكَ بَائِسَاً فَقِيْرَاً، تَائِبَاً غَيْرَ مُسْتَنكِفٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٍ وَلَا مُسْتَسْخِطٍ، بَلْ مُسْتَسْلِمٍ لِأَمْرِكَ رَاضِ بِقَضَائِكَ، لَا آيِسٍ مِنْ رَوْحِكَ، وَلا آمِنٍ مِنْ مَكْرِكَ، وَلَا قَانِطٍ مِنْ رَحْمَتِكَ سَيِّدِيْ، بَلْ مُشْفِقٌ مِنْ عَذَابِكَ، رَاجٍ لِرَحْمَتِكَ، لِعِلْمِيْ بِكَ يَا سَيِّدِيْ وَمَوْلَايَ فَإِنَّهُ لَنْ يُجِيْرَنِيْ مِنْكَ أَحَدٌ، وَلاَ أَجِدُ مِنْ دُوْنِكَ مُلْتَحَدَاً.
الَلَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ تَحْسُنَ فِيْ رَامِقَةِ العُيُوْنِ عَلَانِيَتِيْ، وَتُقَبِحَ فِيْمَا أَخْلُوْ لَكَ سَرِيْرَتِيْ، مُحافِظَاً عَلَى رِئَاءِ النَّاسِ مِنْ نَفْسِيْ، وَمُضَيِّعَاً مَا أَنْتَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مِنِّيْ، فَأُبْدِيْ لَكَ بِأَحْسَنِ أَمْرِيْ، وَأَخْلُوَ لَكَ بِشَرِّ فَعَلِيْ، تَقَرُّبَاً إِلَى الْمَخْلُوْقِيْنَ بِحَسَنَاتِي، وَفِرَارَاً مِنْهُمْ إِلَيكَ بِسَيِّئَاتِيْ، حَتَّى كَأَنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ منْكَ، وَ كَأَنَّ الْعِقَابَ لَيْسَ إِلَيْكَ، قَسْوَةً مِنْ مَخَافَتِكَ مِنْ قَلْبِيْ، وَزَلَلاً عَنْ قُدْرَتِكَ مِنْ جَهْلِيْ، فَيَحِلَّ بِي غَضَبُكَ وَيَنَالَنِيْ مَقتُكَ، فَأَعِذْنِي مِنْ ذَلكَ كُلِّهِ، وَقِنِيْ بِوِقَايَتِكَ الَّتِيْ وَقَيْتَ بِهَا عِبَادَكَ الصَّالِحِيْنَ.
الَلَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّيْ مَا كَانَ صَالِحَاً، وَأَصْلِحْ مِنِّي مَا كَانَ فَاسِدَاً، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ مَنْ لَا يَرْحَمُنِيْ وَلَا بَاغِيَاً وَلاَ حَاسِدَاً.
الَلَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنِّي كُلَّ هّمٍّ، وَفَرِّجْ عَنِّيْ كُلَّ غَمٍّ، وَثْبِّتْنِي فِي كُلِّ مَقَامٍ، وَاهْدِنِي فِي كُلِّ سَبِيْلٍ مِنْ سُبُلِ الحَقِّ، وَحُطَّ عَنِّي كُلَّ خَطِيْئَةٍ، وَأَنْقِذْنِي مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ وَبَلِيَةٍ، وَعَافِنِيْ أَبَدَاً مَا أَبْقَيْتَنِيْ، وَاغْفِرْ لِي إِذا تَوَفِيْتَنِي، وَلَقِّنِيْ رَوْحَاً وَرَيْحَانَاً وَجَنَّةَ نَعِيْمٍ أَبَدَ الْآبِدِيْنَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِيْنَ.


١ - لَمْ تَتَدَارَكَنيْ ظ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025

Logo

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) © 2025